عبد الرحمن بن ناصر السعدي
692
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
في الأرض إنه كان عليما قديرا * ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ول كن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) * يحض تعالى الناس ، على السير في الأرض ، بالقلوب والأبدان ، للاعتبار لا لمجرد النظر والغفلة ، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ، ممن كذبوا الرسل ، وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا ، وأشد قوة ، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء . فلما جاءهم العذاب ، لم تنفعهم قوتهم ، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، ونفذت فيهم قدرة الله ومشيئته . * ( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ) * لكمال علمه وقدرته * ( إنه كان عليما ) * بالأشياء كلها * ( قديرا ) * عليها . ثم ذكر تعالى ، كمال حلمه ، وشدة إمهالة وإنظاره ، أرباب الجرائم والذنوب فقال : * ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ) * من الذنوب * ( ما ترك على ظهرها من دابة ) * أي : لاستوعبت العقوبة ، حتى الحيوانات غير المكلفة . * ( ولكن ) * يمهلهم تعالى ولا يهملهم * ( يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فإذا أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) * فيجازيهم بحسب ما علمه منهم ، من خير وشر . تم تفسير سورة فاطر . سورة يس * ( يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم * تنزيل العزيز الرحيم * لتنذر قوما ما أنذر آبآؤهم فهم غافلون * لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون * إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحم ن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم * إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) * هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم ، الذي وصفه الحكمة ، وهي وضع كل شيء موضعه : وضع الأمر والنهي ، في المحل اللائق بهما . فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة . ومن حكمة هذا القرآن ، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته ، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها . * ( إنك لمن المرسلين ) * هذا هو المقسم عليه ، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنك يا محمد ، من جملة المرسلين ، فلست ببدع من الرسل . وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية . وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين ، وأوصافهم ، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم ، عرف أنك من خيار المرسلين ، بما فيك من الصفات الكاملة ، والأخلاق الفاضلة . ولا يخفى ما بين المقسم به ، وهو القرآن الحكيم ، وبين المقسم عليه ، وهو رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، من الاتصال ، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد ، إلا هذا القرآن الحكيم ، لكفى به دليلا وشاهدا ، على رسالة محمد . بل القرآن العظيم ، أقوى الأدلة المتصلة المستمرة ، على رسالة الرسول . فأدلة القرآن كلها ، أدلة لرسولة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم ، الدالة على رسالته ، وهو أنه * ( على صراط مستقيم ) * معتدل موصل إلى الله وإلى دار كرامته . وذلك الصراط المستقيم ، مشتمل على أعمال ، وهي الأعمال الصالحة ، والمصلحة للقلب والبدن ، والدنيا والآخرة ، والأخلاق الفاضلة المزكية للنفس المطهرة للقلب ، المنمية للأجر . فهذا الصراط المستقيم ، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووصف دينه الذي جاء به . فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم ، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام ، على أجل مقسم عليه . وخبر الله وحده كاف ، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة ، والبراهين الساطعة في هذا الموضع ، على صحة ما أقسم عليه ، من رسالة رسوله ، وما نبهنا عليه ، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه . وهذا الصراط المستقيم * ( تنزيل العزيز الرحيم ) * فهو الذين أنزل به كتابه ، وأنزله طريقا لعباده ، موصلا لهم إليه ، فحماه بعزته ، عن التغيير والتبديل ، ورحم به عباده ، رحمة اتصلت بهم ، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته . ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين ، العزيز ، الرحيم . فلما أقسم تعالى على رسالته ، وأقام الأدلة عليها ، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال : * ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) * وهم العرب الأميون ، الذين لم يزالوا خالين