عبد الرحمن بن ناصر السعدي
677
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
وقدرتهم على ذلك . * ( وجفان كالجواب ) * أي : كالبرك الكبار ، يعملونها لسليمان للطعام ، لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره . * ( و ) * يعملون له من * ( قدور راسيات ) * لا تزول عن أماكنها ، من عظمها . فلما ذكر منته عليهم ، أمرهم بشكرها فقال : * ( اعملوا آل داود ) * وهم داود ، وأولاده ، وأهله ، لأن المنة على الجميع ، وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم . * ( شكرا ) * الله على ما أعطاهم ، ومقابلة لما أولاهم . * ( وقليل من عبادي الشكور ) * فأكثرهم ، لم يشكروا الله تعالى على ما أولاهم ، من النعم ، ودفع عنهم من النقم . والشكر : اعتراف القلب بمنة الله تعالى ، وتلقيها افتقارا إليها ، وصرفها في طاعة الله تعالى ، وصونها عن صرفها في المعصية . فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان ، عليه الصلاة والسلام ، كل بناء . وكانوا قد موهوا على الإنس ، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب ، ويطلعون على المكنونات . فأراد الله تعالى أن يري العباد كذبهم في هذه الدعوى ، فمكثوا يعملون على عملهم . وقضى الله بالموت على سليمان عليه السلام ، واتكأ على عصاه ، وهي المنسأة . فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها ، ظنوه حيا ، وهابوه . فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل ، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه ، فلم تزل ترعاها ، حتى بادت ، وسقطت ، فيسقط سليمان وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن * ( أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) * وهو العمل الشاق عليهم . فلو علموا الغيب ، لعلموا موت سليمان ، الذي هم أحرص شيء عليه ، ليسلموا مما هم فيه . * ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ ) * سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن ، ومسكنهم بلدة يقال لها ( مأرب ) . ومن نعم الله ولطفه بالناس عموما ، وبالعرب خصوصا ، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين ، ممن كان يجاور العرب ، ويشاهد آثارهم ، ويتناقل الناس أخبارهم ، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق ، وأقرب للموعظة فقال : * ( لقد كان لسبأ في مسكنهم ) * أي : محلهم الذي يسكنون فيه * ( أيه ) * . والآية هنا : ما أدر الله عليهم من النعم ، وصرف عنهم من النقم ، الذي يقتضي ذلك منهم ، أن يعبدوا الله ويشكروه . ثم فسر الآية بقوله : * ( جنتان عن يمين وشمال ) * وكان لهم واد عظيم ، تأتيه سيول كثيرة ، وكانوا بنوا سدا محكما ، يكون مجمعا للماء . فكانت السيول تأتيه ، فيجتمع هناك ماء عظيم ، فيفرقونه على بساتينهم ، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله . وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان ، من الثمار ما يكفيهم ، ويحصل لهم الغبطة والسرور . فأمرهم الله بشكر نعمه ، التي أدرها عليهم من وجوه كثيرة : منها : أن الله جعل بلدهم ، بلدة طيبة ، لحسن هوائها ، وقلة وخمها ، وحصول الرزق الرغد فيها . ومنها : أن الله تعالى وعدهم إن شكروه أن يغفر لهم ويرحمهم ، ولهذا قال : * ( بلدة طيبة ورب غفور ) * . ومنها : أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم ، إلى الأرض المباركة ، الظاهر أنها : قرى صنعاء ، كما قاله غير واحد من السلف ، وقيل : إنها الشام ، هيأ لهم من الأسباب ، ما به يتيسر وصولهم إليها ، بغاية السهولة ، من الأمن ، وعدم الخوف ، وتواصل القرى بينهم وبينها ، بحيث لا يكون عليهم مشقة ، بحمل الزاد والمزاد . ولهذا قال : * ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ) * أي : سيرا مقدرا يعرفونه ، ويحكمون عليه ، بحيث لا يتيهون عنه * ( سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ) * أي : مطمئنين في السير ، في تلك الليالي والأيام ، غير خائفين . وهذا من تمام نعمة الله عليهم ، أن أمنهم من الخوف . فأعرضوا عن المنعم ، وعن عبادته ، وبطروا النعمة ، وملوها . حتى إنهم طلبوا وتمنوا ، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى ، التي كان السير فيها متيسرا . * ( وظلموا أنفسهم ) * بكفرهم بالله وبنعمته ، فعاقبهم الله تعالى بهذه التعمة ، التي أطغتهم ، فأبادها عليهم ، فأرسل عليها سيل العرم ، أي : السيل المتوعر ، الذي خرب سدهم ، وأتلف جناتهم ، وخرب بساتينهم . فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة ، والأشجار المثمرة ، وصار بدلها ، أشجار لا نفع فيها ، ولهذا قال : * ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل ) * أي : شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا * ( خمط وأثل وشئ من سدر قليل ) * وهذا كله شجر معروف ، وهذا من جنس عملهم . فكما بدلوا الشكر الحسن ، بالكفر القبيح ، بدلوا تلك النعمة بما ذكر ، ولهذا قال : * ( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) * أي : وهل نجازي جزاء العقوبة بدليل السياق إلا من كفر بالله وبطر النعمة ؟ فلما أصابهم ما أصابهم ، تفرقوا