عبد الرحمن بن ناصر السعدي
664
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
الصحيح ، ليس فيه شهوة لما حرم الله ، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب ، لصحة قلبه ، وسلامته من المرض . بخلاف مريض القلب ، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح ، ولا يصبر على ما يصبر عليه . فأدنى سبب يوجد ، ويدعوه إلى الحرام ، يجيب دعوته ، ولا يتعاصى عليه . فهذا دليل على أن الوسائل ، لها أحكام المقاصد . فإن الخضوع بالقول ، واللين فيه ، في الأصل مباح . ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم ، منع منه . ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال ، أن لا تلين لهم القول . ولما نهاهن عن الخضوع في القول ، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول ، دفع هذا بقوله : * ( وقلن قولا معروفا ) * أي : غير غليظ ، ولا جاف كما أنه ليس بلين خاضع . وتأمل كيف قال : * ( فلا تخضعن بالقول ) * ولم يقل : ( فلا تلن بالقول ) وذلك لأن المنهي عنه ، القول اللين ، الذي فيه خضوع المرأة للرجل ، وانكسارها عنده . والخاضع ، هو الذي يطمع فيه . بخلاف من تكلم كلاما لينا ، ليس فيه خضوع ، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم ، فإن هذا ، لا يطمع فيه خصمه . ولهذا مدح الله رسوله باللين فقال : * ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) * وقال لموسى وهارون : * ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) * . ودل قوله : * ( فيطمع الذي في قلبه مرض ) * مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات ، ونهيه عن قربان الزنا ، أنه ينبغي للعبد ، إذا رأى من نفسه هذه الحالة ، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى ، أو يمسع كلام من يهواه ، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام . فليعرف أن ذلك مرض . فليجتهد في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية ، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر ، وسؤال الله العصمة والتوفيق ، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به . * ( وقرن في بيوتكن ) * أي : اقررن فيها ، لأنه أسلم وأحفظ لكن . * ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) * أي : لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات ، كعادة أهل الجاهلية الأولى ، الذين لا علم عندهم ولا دين ، فكل هذا دفع للشر وأسبابه . ولما أمرهن بالتقوى عموما ، وبجزئيات من التقوى ، نص عليها لحاجة النساء إليها كذلك ، أمرهن بالطاعة ، خصوصا الصلاة والزكاة ، اللتان يحتاجهما ، ويضطر إليهما كل أحد ، وهما أكبر العبادات ، وأجل الطاعات . وفي الصلاة ، الإخلاص للمعبود ، وفي الزكاة ، الإحسان إلى العبيد . ثم أمرهن بالطاعة عموما ، فقال : * ( وأطعن الله ورسوله ) * يدخل في طاعة الله ورسوله ، كل أمر ، أمرا به أمر إيجاب أو استحباب . * ( أنما يريد الله ) * بأمركن بما أمركن به ، ونهيكن عما نهاكن عنه . * ( ليذهب عنكم الرجس ) * أي : الأذى ، والشر ، والخبث ، يا * ( أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) * حتى تكونوا طاهرين مطهرين . أي : فاحمدوا ربكم ، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي ، التي أخبركم بمصلحتها ، وأنها محض مصلحتكم ، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك حرجا ولا مشقة ، بل لتتزكى نفوسكم ، وتتطهر أخلاقكم ، وتحسن أعمالكم ويعظم بذلك أجركم . ولما أمرهن بالعمل ، الذي هو فعل وترك ، أمرهن بالعلم ، وبين لهن طريقه فقال : * ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) * والمراد بآيات الله ، القرآن ، والحكمة : أسراره ، وسنة رسوله . وأمرهن بذكره ، يشمل ذكر لفظه ، بتلاوته ، وذكر معناه ، بتدبره والتفكر فيه ، واستخراج أحكامه وحكمه ، وذكر العمل به وتأويله . * ( إن الله كان لطيفا خبيرا ) * يدرك سرائر الأمور ، وخفايا الصدور ، وخبايا السماوات والأرض ، والأعمال التي تبين وتسر . فلطفه وخبرته ، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال ، ومجازاة الله على تلك الأعمال . ومن معاني ( اللطيف ) الذي يسوق عبده إلى الخير ، ويعصمه من الشر ، بطرق خفية لا يشعر بها ، ويسوق إليه من الرزق ، ما لا يدريه ، ويريه من الأسباب ، التي تكرهها النفوس : ما يكون ذلك طريقا له ، إلى أعلى الدرجات ، وأرفع المنازل . * ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحاف ظات والذاك رين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا