عبد الرحمن بن ناصر السعدي

654

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

* ( أفلا تتذكرون ) * فتعلمون أن خالق الأرض والسماوات ، المستوي على العرش العظيم ، الذي انفرد بتدبيركم ، وتوليكم ، وله الشفاعة كلها ، هو المستحق لجميع أنواع العبادة . * ( يدبر الأمر ) * القدري والأمر الشرعي ، الجميع هو المتفرد بتدبيره ، نازلة تلك التدابير من عند الملك القدير * ( من السماء إلى الأرض ) * فيسعد بها ويشقي ، ويغني ويفقر ، ويعز ، ويذل ، ويكرم ، ويهين ، ويرفع أقواما ، ويضع آخرين ، وينزل الأرزاق . * ( ثم يعرج إليه ) * أي : الأمر ينزل من عنده ، ويعرج إليه * ( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) * وهو يعرج إليه ، ويصله في لحظة . * ( ذلك ) * الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة ، الذي استوى على العرش العظيم ، وانفرد بالتدابير في المملكة * ( عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ) * . فبسعة علمه ، وكمال عزته ، وعموم رحمته ، أوجدها ، وأودع فيها من المنافع ما أودع ، ولم يعسر عليه تدبيرها . * ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) * أي : كل مخلوق خلقه الله ، فإن الله أحسن خلقه ، وخلقه خلقا يليق به ، ويوافقه فهذا عام . ثم خص الآدمي لشرفه وفضله فقال : * ( وبدأ خلق الإنسان من طين ) * وذلك بخلق آدم عليه السلام ، أبي البشر . * ( ثم جعل نسله ) * أي : ذرية آدم ناشئة * ( من سلالة من ماء مهين ) * وهو النطفة المستقذرة الضعيفة . * ( ثم سواه ) * بلحمه ، وأعضائه ، وأعصابه ، وعروقه ، وأحسن خلقته ، ووضع كل عضو منه ، بالمحل الذي لا يليق به غيره . * ( ونفخ فيه من روحه ) * بأن أرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، فيعود بإذن الله ، حيوانا ، بعد أن كان جمادا . * ( وجعل لكم السمع والأبصار ) * أي : ما زال يعطيكم من المنافع شيئا فشيئا ، حتى أعطاكم السمع والأبصار * ( والأفئدة قليلا ما تشكرون ) * الذي خلقكم وصوركم . * ( وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون * قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) * أي : قال المكذبون بالبعث على وجه الاستبعاد : * ( أإذا ضللنا في الأرض ) * أي : بلينا وتمزقنا ، وتفرقنا في المواضع التي لا تعلم . * ( أإنا لفى خلق جديد ) * أي : لمبعوثون بعثا جديدا . بزعمهم أن هذا من أبعد الأشياء ، وذلك بقياسهم قدرة الخالق ، على قدرهم . وكلامهم هذا ، ليس لطلب الحقيقة ، وإنما هو ظلم ، وعناد ، وكفر بلقاء ربهم وجحد ، ولهذا قال : * ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) * فكلامهم على مصدره وغايته . وإلا ، فلو كان قصدهم بيان الحق ، لبين لهم من الأدلة القاطعة على ذلك ، ما يجعله مشاهدا للبصيرة ، بمنزلة الشمس للبصر . ويكفيهم علمهم أنهم قد ابتدؤوا من العدم ، فالإعادة أسهل من الابتداء ، وكذلك الأرض الميتة ، ينزل الله عليها المطر ، فتحيا بعد موتها ، وينبت به متفرق بذورها . * ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) * أي : جعله الله وكيلا على قبض الأرواح ، وله أعوان . * ( ثم إلى ربكم ترجعون ) * فيجازيكم بأعمالكم ، وقد أنكرتم البعث ، فانظروا ماذا يفعل الله بكم . * ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون * ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ول كن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم ه ذآ إنا نسيناكم وذوق وا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) * لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة ، ذكر حالهم في مقاقمه بين يديه ، فقال : * ( ولو ترى إذا المجرمون ) * الذين أصروا على الذنوب العظيمة . * ( ناكسو رؤوسهم عند ربهم ) * خاشعين خاضعين أذلاء ، مقرين بجرمهم ، سائلين الرجعة قائلين : * ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) * أي ؛ بان لنا الأمر ، ورأيناه عيانا ، فصار عين يقين . * ( فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) * أي : صار عندنا الآن ، يقين بما كنا نكذب به . أي لرأيت أمرا فظيعا ، وحالا مزعجة ، أقواما خاسرين ، وسؤالا غير مجاب ، لأنه قد مضى وقت الإمهال . وكل هذا بقضاء الله وقدره ، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي ، فلهذا قال : * ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) * أي : لهدينا الناس كلهم ، وجمعناهم على الهدى . فمشيئتنا صالحة لذلك ، ولكن الحكمة ، تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى ، ولهذا قال : * ( ولكن حق القول مني ) * أي : وجب ، وثبت