عبد الرحمن بن ناصر السعدي

644

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

* ( بأمره ) * القدري * ( ولتبتغوا من فضله ) * بالتصرف في معايشكم ومصالحكم . * ( ولعلكم تشكرون ) * من سخر لكم الأسباب ، وسير لكم الأمور . فهذا المقصود من النعم ، أن تقابل بشكر الله تعالى ، ليزيدكم الله منها ، ويبقيها عليكم . وأما مقابلة النعم بالكفر والمعاصي ، فهذه حال من بدل نعمة الله كفرا ، ومنحته محنة ، وهو معرض لها للزوال ، والانتقال منه إلى غيره . * ( ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) * أي : * ( ولقد أرسلنا من قبلك ) * في الأمم السالفين * ( رسلا إلى قومهم ) * حين جحدوا توحيد الله ، وكذبوا بالحق ، فجاءتهم رسلهم يدعونهم إلى التوحيد والإخلاص ، والتصديق بالحق ، وبطلان ما هم عليه ، من الكفر والضلال . وجاؤوهم بالبينات والأدلة على ذلك ، فلم يؤمنوا ، ولم يزولوا عن غيهم . * ( فانتقمنا من الذين أجرموا ) * ونصرنا المؤمنين ، أتباع الرسل . * ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) * أي : أوجبنا ذلك على أنفسنا ، وجعلنا من جملة الحقوق المتعينة ووعدنا به ، فلا بد من وقوعه . فأنتم أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم ، إن بقيتم على تكذيبكم ، حلت بكم العقوبة ، ونصرناه عليكم . * ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتهآ إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) * يخبر تعالى عن كمال قدرته ، وتمام نعمته ، أنه * ( يرسل الرياح فتثير سحابا ) * من الأرض . * ( فيبسطه في السماء ) * أي : يمده ويوسعه * ( كيف يشاء ) * أي : على أي حالة أرادهم من ذلك . * ( ويجعله ) * أي : ذلك السحاب الواسع * ( كسفا ) * أي : سحابا ثخينا ، قد طبق بعضه فوق بعض . * ( فترى الودق يخرج من خلاله ) * أي : السحاب ، نقطا صغارا متفرقة ، لا تنزل جميعا ، فتفسد ما أتت عليه . * ( فإذا أصاب به ) * بذلك المطر * ( من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ) * يبشر بعضهم بعضا بنزوله ، وذلك لشدة حاجتهم ، واضطرارهم إليه ، فلهذا قال : * ( وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) * أي : آيسين قانطين ، لتأخر وقت مجيئه . أي : فلما نزل في تلك الحال ، صار له موقع عظيم عندهم ، وفرح واستبشار . * ( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ) * فاهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج كريم . * ( ان ذلك ) * الذي أحيا الأرض بعد موتها * ( لمحيي الموتى ، وهو على كل شيء قدير ) * فقدرته تعالى ، لا يتعاصى عليها شيء ، وإن تعاصى على قدر خلقه ، ودق عن أفهامهم ، وحارت فيه عقولهم . * ( ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون * فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) * يخبر تعالى عن حالة الخلق ، وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد موتها ، ونشر رحمة الله تعالى ، لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن المطر ، وعلى زروعهم ، ريحا مضرة متلفة أو منقصة . * ( فرأوه مصفرا ) * قد تداعى إلى التلف * ( لظلوا من بعده يكفرون ) * . فينسون النعم الماضية ، ويبادرون إلى الكفر . وهؤلاء ، لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر * ( فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) * بالأولى * ( إذا ولوا مدبرين ) * فإن الموانع قد توفرت فيهم عن الانقياد والسماع النافع كتوفر هذه الموانع المذكورة ، عن سماع الصوت الحسي . * ( وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ) * لأنهم لا يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس فيهم قابلية له . * ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) * فهؤلاء الذين ينفع فيهم إسماع الهدى ، المؤمنون بآياتنا بقلوبهم ، المنقادون لأوامرنا ، المسلمون لنا ؛ لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ ، وهو استعدادهم للإيمان بكل آية من آيات الله ، واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من أوامر الله . * ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) * يخبر تعالى ، عن سعة علمه ، وعظيم اقتداره ، وكمال حكمته ، أنه ابتدأ خلق الآدميين من ضعف ، وهو الأطوار الأولى من خلقه ، من نطفة إلى علقة ، إلى مضغة إلى أن صار حيوانا في الأرحام ، إلى أن ولد ، وهو في سن الطفولية ، وهو إذ