عبد الرحمن بن ناصر السعدي

640

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) * أي : ومن آياته ، أن ينزل عليكم المطر ، الذي تحيا به البلاد والعبادة ، ويريكم قبل نزوله مقدماته ، من الرعد ، والبرق ، الذي يخاف ويطمع فيه . * ( إن في ذلك لآيات ) * دالة على عموم إحسانه ، وسعة علمه ، وكمال إتقانه ، وعظيم حكمته ، وأنه يحيي الموتى ، كما أحيا الأرض بعد موتها . * ( لقوم يعقلون ) * أي : لهم عقول ، تعقل بها ما تسمعه ، وتراه وتحفظه ، وتستدل به ، على ما جعل دليلا عليه . * ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون * وله من في السماوات والأرض كل له قانتون * وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) * أي : ومن آياته العظيمة ، أن قامت السماوات والأرض ، واستقرتا ، وثبتتا بأمره ، فلم تتزلزلا ، ولم تسقط السماء على الأرض . فقدرته العظيمة ، التي بها أمسك السماوات والأرض ، أن تزولا ، يقدر بها ، على أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض ، إذا هم يخرجون * ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) * . * ( وله من في السماوات والأرض ) * لكل خلقه ومماليكه ، والمتصرف فيهم من غير منازع ، ولا معاون ، ولا معارض ، وكلهم قانتون لجلاله ، خاضعون لكماله . * ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهو ) * أي : إعادة الخلق بعد موتهم * ( أهون عليه ) * من ابتداء خلقهم ، وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول . فإذا كان قادرا على الابتداء ، الذي تقرون به ، كانت قدرته على الإعادة ، التي هي أهون ، أولى وأولى . ولما ذكر من الآيات العظيمة ، ما به يعتبر المعتبرون ، ويتذكر المؤمنون ويستبصر المهتدون ، ذكر الأمر العظيم ، والمطلب الكبير فقال : * ( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) * وهو كل صفة كمال . والكمال في تلك الصفة ، والمحبة ، والإنابة التامة الكاملة ، في قلوب عباده المخلصين ، والذكر الجليل ، والعبادة منهم . فالمثل الأعلى ، هو وصفه الأعلى ، وما ترتب عليه . ولهذا كان أهل العلم ، يستعملون في حق الباري ، قياس الأولى ، فيقولون : كل صفة كمال في المخلوقات ، فخالقها أحق بالاتصاف بها ، على وجه لا يشاركه فيها أحد . وكل نقص في المخلوق ، ينزه عنه ، فتنزيه الخالق عنه ، من باب أولى وأحرى . * ( وهو العزيز الحكيم ) * أي : له العزة الكاملة ، والحكمة الواسعة . فبعزته أوجد المخلوقات ، وأظهر المأمورات . وبحكمته ، أتقن ما صنعه ، وأحسن فيها ما شرعه . * ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون * بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين ) * هذا مثل ضربه الله ، لقبح الشرك وتهجينه ، مثلا من أنفسكم ، لا يحتاج إلى حل وترحال ، وإعمال الجمال . * ( هل لكم مما ملكت أيمانكم من ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ) * أي : هل أجد من عبيدكم وإبائكم الأرقاء ، يشارككم في رزقكم ، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء . * ( تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) * أي : كالأحرار الشركاء في الحقيقة ، الذي يخاف من قسمه ، واختصاص كل شيء بماله ؟ ليس الأمر كذلك ، فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم ، شريكا لكم فيما رزقكم الله تعالى . هذا ، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم ، وهم أيضا ، مماليك مثلكم ، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكا من خلقه ، وتجعلونه بمنزلته ، وعديلا له في العبادة ، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم ؟ وهذا من أعجب الأشياء ، ومن أدل شيء على سفه من اتخذ شريكا مع الله ، وأن ما اتخذه باطل مضمحل ، ليس مساويا لله ، ولا له من العبادة شيء . * ( كذلك نفصل الآيات ) * بتوضيحها بأمثلتها * ( لقوم يعقلون ) * الحقائق ويعرفون . وأما من لا يعقل ، فلو فصلت له الآيات ، وبينت له البينات ، لم يكن له عقل يبصر به ما تبين ، ولا لب يعقل به ما توضح . فأهل العقول والألباب ، هم الذين يساق إليهم الكلام ، ويوجه الخطاب . وإذا علم من هذا المثال ، أن من اتخذ من دون الله شريكا ، يعبده ويتوكل عليه في أموره ، ليس معه من الحق شيء ، فما الذي أوجب لهم الإقدام ، على أمر باطل ، توضح الله بطلانه ، وظهر برهانه ؟ لقد أوجب لهم ذلك ، اتباع الهوى ، فلهذا قال : * ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) * هويت أنفسهم الناقصة ، التي ظهر من نقصها ، ما تعلق به هواها ، أمرا يجزم العقل بفسادة ، والفطر برده ، بغير علم دلهم عليه ، ولا برهان قادهم إليه . * ( فمن يهدي من أضل الله ) * أي : لا تعجبوا من عدم هدايتهم ، فإن الله تعالى أضلهم بظلمهم ، ولا طريق لهداية من أضل الله ؛ لأنه ليس أحد معارضا صلى الله عليه وسلم ، أو منازعا له في ملكه . * ( وما لهم من ناصرين ) * ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب ، وتنقطع بهم الوصل والأسباب . * ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم