عبد الرحمن بن ناصر السعدي

632

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

المطالب الإيمانية ، إذا تدبرها المؤمن رأى ذلك فيها عيانا . * ( أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) * يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله ، وهو : هذا الكتاب العظيم . ومعنى تلاوته ، اتباعه ، بامتثال ما يأمر به ، واجتناب ما ينهى عنه ، والاهتداء بهداه ، وتصديق أخباره ، وتدبر معانيه ، وتلاوة ألفاظه ، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه . وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب ، علم أن إقامة الدين كلها ، داخلة في تلاوة الكتاب . فيكون قوله : * ( وأقم الصلاة ) * من باب عطف الخاص على العام ، لفضل الصلاة وشرفها ، وآثارها الجميلة ، وهي * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * . فالفحشاء ، كل ما استعظم ، واستفحش من المعاصي ، التي تشتهيها النفوس . والمنكر : كل معصية تنكرها العقول والفطر . ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أن العبد المقيم لها ، المتمم لأركانها وشروطها ، وخشوعها ، يستنير قلبه ، ويتطهر فؤاده ، ويزداد إيمانه ، وتقوى رغبته في الخير ، وتقل أو تنعدم رغبته في الشر . فبالضرورة ، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه ، تنهى عن الفحشاء والمنكر . فهذا من أعظم مقاصد الصلاة وثمراتها . وثم في الصلاة ، مقصود أعظم من هذا وأكبر ، وهو : ما اشتملت عليه من ذكر الله ، بالقلب ، واللسان ، والبدن . فإن الله تعالى ، إنما خلق العباد لعبادته ، وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة . وفيها من عبوديات الجوارح كلها ، ما ليس في غيرها ، ولهذا قال : * ( ولذكر الله أكبر ) * . ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها ، أخبر أن ذكره تعالى ، خارج الصلاة ، أكبر من الصلاة كما هو قول جمهور المفسرين . لكن الأول ، أولى ، لأن الصلاة ، أفضل من الذكر خارجها ، ولأنها كما تقدم بنفسها من أكبر الذكر . * ( والله يعلم ما تصنعون ) * من خير وشر ، فيجازيكم على ذلك ، أكمل الجزاء ، وأوفاه . * ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإل هنا وإل هكم واحد ونحن له مسلمون ) * ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب ، إذا كانت عن غير بصير من المجادل ، أو بغير قاعدة مرضية ، وأن لا يجادلوا ، إلا بالتي هي أحسن ، بحسن خلق ولطف ولين كلام ، ودعوة إلى الحق وتحسينه ، ورد الباطل وتهجينه ، بأقرب طريق موصل لذلك . وأن لا يكون القصد منها ، مجرد المجادلة والمغالبة ، وحب العلو ، بل يكون القصد بيان الحق ، وهداية الخلق . * ( إلا الذين ظلموا ) * من أهل الكتاب ، بأن ظهر من قصد المجادل منهم وحاله ، أنه لا إرادة له في الحق ، وإنما يجادل ، على وجه المشاغبة والمغالبة . فهذا لا فائدة في جداله ، لأن المقصود منها ضائع . * ( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ) * أي : ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم ، وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم ، وعلى أن الإله واحد . ولا تكن مناظرتكم إياهم ، على وجه يحصل به القدح ، في شيء من الكتب الإلهية ، أو بأحد من الرسل ، كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم ، يقدح بجميع ما معهم ، من حق وباطل ، فهذا ظلم ، وخروج عن الواجب وآداب النظر . فإن الواجب ، أن يرد ما مع الخصم من الباطل ، ويقبل ما معه من الحق . ولا يرد الحق لأجل قوله ، ولو كان كافرا . وأيضا فإن بناء مناظرة أهل الكتاب ، على هذا الطريق ، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن ، وبالرسول الذي جاء به . فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية ، والتي اتفقت عليها الأنبياء والكتب وتقررت عند المتناظرين ، وثبتت حقائقها عندهما ، وكانت الكتب السابقة والمرسلون ، مع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ، قد بينتها ، ودلت وأخبرت بها ، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها ، والرسل كلهم ، وهذا من خصائص الإسلام . فأما أن يقال : نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني ، دون الكتاب الفلاني ، وهو الحق الذي صدق ما قلبه ، فهذا ظلم وهوى . وهو يرجع إلى قومه بالتكذيب ؛ لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها ، المصدق لما بين يديه ، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن . وأيضا فإن كل طريق تثبت بها نبوة أي نبي كان ، فإن مثلها وأعظم منها ، دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن مثلها ، أو أعظم منها ، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره . فإذا ثبت بطلانها في غيره ، فثبوت بطلانها في حقه صلى الله عليه وسلم ، أظهر وأظهر . وقوله : * ( ونحن له مسلمون ) * أي : منقادون مستسلمون لأمره . ومن آمن