عبد الرحمن بن ناصر السعدي

625

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

في كتبه وأخبرت بها رسله ، التي جمعت كل نعيم ، واندفع عنها كل مكدر ومنغص . * ( نجعلها ) * دارا وقرارا * ( للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) * أي : ليس لهم إرادة فكيف العمل للعلو في الأرض ، على عباد الله ، والتكبر عليهم وعلى الحق * ( ولا فسادا ) * وهذا شامل لجميع المعاصي . فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض ، ولا الفساد ، لزم من ذلك ، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله ، وقصدهم الدار الآخرة ، وحالهم التواضع لعباد الله ، والانقياد للحق والعمل الصالح . وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحسنى ، ولهذا قال : * ( والعاقبة ) * أي : حالة الفلاح والنجاح ، التي تستقر وتستمر ، لمن اتقى الله تعالى . وغيرهم وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة فإنه لا يطول وقته ، ويزول عن قريب . وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة ، أن الذين يريدون العلو في الأرض ، أو الفساد ، ليس لهم في الدار الآخرة ، نصيب ، ولا لهم منها حظ . * ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) * يخبر تعالى عن مضاعفة فضله ، وتمام عدله فقال : * ( من جاء بالحسنة ) * شرط فيها أن يأتي بها العامل ، لأنه قد يعملها ، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه ، أو يبطلها ، فهذا لم يجئ بالحسنة . والحسنة ، اسم جنس يشمل جميع ما أمر الله به ورسوله ، من الأقوال والأعمال الظاهرة ، والباطنة ، المتعلقة بحقه تعالى ، وحقوق العباد * ( فله خير منها ) * أي : أعظم وأجل ، وفي الآية الأخرى * ( فله عشر أمثالها ) * . هذا التضعيف للحسنة ، لا بد منه ، وقد يقترن بذلك من الأسباب ، ما تزيد به المضاعفة كما قال تعالى : * ( والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) * بحسب حال العامل وعمله ، ونفعه ، ومحله ، ومكانه . * ( ومن جاء بالسيئة ) * وهي كل ما نهى الشارع عنه ، نهي تحريم . * ( فلا يجزى الذي علموا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) * كقوله تعالى : * ( من جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون ) * . * ( إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين * وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين * ولا تدع مع الله إل ها آخر لا إل ه إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ) * يقول تعالى : * ( إن الذي فرض عليك القرآن ) * أي : نزله ، وفرض فيه الأحكام ، وبين فيه الحلال والحرام ، وأمرك بتبليغه للعالمين ، والدعوة لأحكامه ، جميع المكلفين ، لا يليق بحكمته ، أن تكون هي الحياة الدنيا فقط ، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا . بل لا بد أن يردك إلى معاد ، يجازى فيه المحسنون بإحسانهم ، والمسيئون بمعصيتهم . وقد بينت لهم الهدى ، وأوضحت لهم المنهج . فإن تبعوك ، فذلك حظهم وسعادتهم . وإن أبوا إلا عصيانك ، والقدح بما جئت به من الهدى ، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق ، فلم يبق للمجادلة محل ، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة ، والمحق والمبطل ، ولهذا قال : * ( قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ) * وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي ، وأن أعداءه هم الضالون المضلون . * ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ) * أي : لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك ، ولا مستعدا له ، ولا متصديا . * ( إلا رحمة من ربك ) * وبالعباد ، فأرسلك بهذا الكتاب ، الذي رحم به العالمين ، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، وزكاهم ، وعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه ، علمت ، أن جميع ما أمر به ، ونهى عنه ، رحمة ، وفضل من الله . فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه ، وتظن أن مخالفته ، أصلح وأنفع . * ( فلا تكونن ظهيرا للكافرين ) * أي : معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم . ومن جملة مظاهرتهم ، أن يقال في شيء منه ، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة . * ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذا أنزلت إليك ) * بل أبلغها وأنفذها ، ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها ، ولا تتبع أهواءهم . * ( وادع إلى ربك ) * أي : اجعل الدعوة إلى ربك ، منتهى قصدك وغاية عملك . فكل ما خالف ذلك ، فارفضه ، من رياء ، أو سمعة ، أو موافقة أغراض أهل الباطل ، فإن ذلك داع إلى الكون معهم ، ومساعدتهم على أمرهم ولهذا قال : * ( ولا تكونن من المشركين ) * لا في شركهم ، ولا في فروعه وشعبه ، التي هي جميع المعاصي .