عبد الرحمن بن ناصر السعدي

620

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

* ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أول ئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) * يذكر تعالى ، عظمة القرآن ، وصدقه ، وحقه ، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ، ويؤمنون به ، ويقرون بأنه الحق : * ( الذين آتيناهم الكتاب في قبله ) * وهم أهل التوراة ، والإنجيل ، الذي لم يغيروا ولم يبدلوا * ( هم به ) * أي : بهذا القرآن ، ومن جاء به * ( يؤمنون ) * . * ( وإذا يتلى عليهم ) * استمعوا له ، وأذعنوا و * ( قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ) * لموافقته ما جاءت به الرسل ، ومطابقته لما ذكر في الكتب ، واشتماله على الأخبار الصادقة ، والأوامر والنواهي الموافقة لغاية الحكمة . وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم ، وينفع قولهم ، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة ، لأنهم أهل الخبرة ، وأهل الكتب . وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق ، على شبهة ، فضلا عن الحجة ، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق . قال تعالى : * ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ) * الآيات . وقوله : * ( إنا كنا من قبله مسلمين ) * فلذلك ثبتنا على ما من الله به علينا من الإيمان والإسلام ، فصدقنا بهذا القرآن ، آمنا بالكتاب الأول ، والكتاب الآخر . وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب ، إيمانه بالكتاب الأول . * ( أولئك ) * الذين آمنوا بالكتابين * ( يؤتون أجرهم مرتين ) * أجرا على الإيمان الأول ، وأجرا على الإيمان الثاني . * ( بما صبروا ) * على الإيمان ، وثبتوا على العمل ، فلم تزعزعهم عن ذلك ، شبهة ، ولا ثناهم عن الإيمان ، رياسة ولا شهوة . * ( و ) * من خصالهم الفاضلة ، التي هي من آثار إيمانهم الصحيح ، أنهم * ( يدرؤون بالحسنة السيئة ) * أي : دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد ، حتى للمسيء إليهم ، بالقول والفعل ، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل ، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم ، وأنه لا يوفق له ذو حظ عظيم . * ( وإذا سمعوا اللغو ) * من جاهل خاطبهم به ، أعرضوا عنه ، و * ( قالوا ) * مقالة عباد الرحمن أولي الألباب : * ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) * أي : كل سيجازى بعمله ، الذي عمله وحده ، وليس عليه من وزر غيره شيء . ولزم من ذلك ، أنهم يتبرؤن مما عليه الجاهلون ، من اللغو والباطل ، والكلام الذي لا فائدة فيه . * ( سلام عليكم ) * أي : لا تسمعون منا إلا الخير ، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم . فإنكم ، وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم ، فإننا ننزه أنفسنا عنه ، ونصونها عن الخوض فيه . * ( لا نبتغي الجاهلين ) * من كل وجه . * ( إنك لا تهدي من أحببت ول كن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) * يخبر تعالى أنك يا محمد وغيرك من باب أولى لا تقدر على هداية أحد ، ولو كان من أحب الناس إليك ، فإن هذا ، أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق ، وخلق الإيمان في القلب ، وإنما ذلك بيد الله تعالى ، يهدي من يشاء ، وهو أعلم بمن يصلح لها ، فيبقيه على ضلاله . وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى : * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) * فتلك هداية البيان والإرشاد . فالرسول يبين الصراط المستقيم ، ويرغب فيه ، ويبذل جهده في سلوك الخلق له . وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان ، ويوفقهم بالفعل ، فحاشا وكلا . ولهذا لو كان قادرا عليها ، لهدى من وصل إليه إحسانه ، ونصره ، ومنعه من قومه ، عمه أبا طالب ، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة له للدين والنصح التام ، ما هو أعظم مما فعله معه عمه ، ولكن الهداية بيد الله . * ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ول كن أكثرهم لا يعلمون * وكم أهلكنا من قرية