عبد الرحمن بن ناصر السعدي

607

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

لقومه داعيا إلى الله ، وناصحا : * ( أتأتون الفاحشة ) * أي : الفعلة الشنعاء ، التي تستفحشها العقول والفطر ، وتستقبحها الشرائع * ( وأنتم تبصرون ) * ذلك ، وتعلمون قبحه ، فعاندتم ، وارتكبتم ذلك ، ظلما منكم ، وجرأة على الله . ثم فسر تلك الفاحشة فقال : * ( أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ) * ، أي : كيف توصلتم إلى هذه الحال ، فصارت شهوتكم للرجال ، وأدبارهم ، محل الغائط والنجو ، والخبث ، وتركتم ما خلق الله لكم ، من النساء ، من المحال الطيبة ، التي جبلت النفوس على الميل إليها . وأنتم انقلب عليكم الأمر ، فاستحسنتم القبيح ، واستقبحتم الحسن ، * ( بل أنتم قوم تجهلون ) * متجاوزون لحدود الله ، متجرؤون على محارمه . * ( فما كان جواب قومه ) * قبول ولا انزجار ، ولا تذكر ، وادكار . إنما كان جوابهم ، المعارضة ، والمناقضة ، والتوعد لنبيهم الناصح ، ورسولهم الأمين ، بالإجلاء عن وطنه ، والتشريد عن بلده . فما كان جواب قومه * ( إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ) * . فكأنه قيل : ما نقمتم منهم ، وما ذنبهم الذي أوجب له الإخراج . فقالوا : * ( إنهم أناس يتطهرون ) * أي : يتنزهون عن اللواط ، وأدبار الذكور . فقبحهم الله ، جعلوا أفضل الحسنات ، بمنزلة أقبح السيئات . ولم يكتفوا بمعصيتهم نبيهم ، وفيما وعظهم به ، حتى وصلوا إلى إخراجه والبلاء موكل بالمنطق ، فهم قالوا : * ( أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) * . ومفهوم هذا الكلام ( وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة ، المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ، ونجاة من خرج منها ) . ولهذا قال تعالى : * ( فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ) * ، وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف ، وسمع بهم قومه ، فجاؤوا إليه يريدونهم بالشر ، وأغلق الباب دونهم ، واشتد الأمر عليه . ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال ، وأنهم جاءوا لاستنقاذه ، من بين أظهرهم ، وأنهم يريدون إهلاكهم ، وأن موعدهم الصبح . وأمروه أن يسري بأهله ليلا ، إلا امرأته ، فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا ، فنجوا ، وصبحهم العذاب . فقلب الله عليهم ديارهم ، وجعل أعلاها أسفلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك . ولهذا قال هنا : * ( وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) * ، أي : بئس المطر مطرهم ، وبئس العذاب عذابهم ، لأنهم أنذروا وخوفوا ، فلم ينزجروا ، ولم يرتدعوا ، فأحل الله بهم ، عقابه الشديد . * ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفىءآلله خير أما يشركون ) * أي : قل * ( الحمد لله ) * الذي يستحق كمال الحمد ، والمدح والثناء ، لكمال أوصافه ، وجميل معروفه ، وهباته ، وعدله ، وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب الظالمين . وسلم أيضا على عباده ، الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين ، من الأنبياء والمرسلين ، وصفوة الله رب العالمين . وذلك لرفع ذكرهم ، وتنويها بقدرهم ، وسلامتهم من الشر والأدناس وسلامة ما قالوه في ربهم ، من النقائص والعيوب . * ( والله خير أما يشركون ) * وهذا استفهام قد تقرر وعرف . أي : الله الرب العظيم ، كامل الأوصاف ، عظيم الألطاف ، خير أم الأصنام والأوثان ، التي عبدوها معه ، وهي ناقصة من كل وجه ، لا تنفع ولا تضر ، ولا تملك لأنفسها ، ولا لعابديها ، مثقال ذرة من الخير فالله خير مما يشركون . * ( أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإل ه مع الله بل هم قوم يعدلون ) * ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف ، ويتبين أنه الإله المعبود ، أن عبادته هي الحق ، وعبادة ما سواه ، هي الباطل فقال : * ( أم من خلق السماوات ) * إلى * ( يعدلون ) * . أي : أمن خلق السماوات ، وما فيها ، من الشمس والقمر ، والنجوم ، والملائكة ، والأرض ، وما فيها من جبال ، وبحار ، وأنهار ، وأشجار ، وغير ذلك . * ( وأنزل لكم ) * أي : لأجلكم * ( من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ) * أي : بساتين * ( ذات بهجة ) * أي : حسن منظر ، من كثرة أشجارها ، وتنوعها ، وحسن ثمارها . * ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) * لولا منة الله عليكم ، بإنزال المطر . * ( أإله مع الله ) * فعل هذه الأفعال ، حتى يعبد معه ويشرك به ؟ . * ( بل هم قوم يعدلون ) * به غيره ، ويسوون به سواه ، مع علمهم أنه وحده ، خالق العالم العلوي والسفلي ، ومنزل الرزق . * ( أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسي