عبد الرحمن بن ناصر السعدي
603
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
قالت نملة ) * منبهة لرفقتها ، وبني جنسها : * ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) * . فنصحت هذه النملة ، وأسمعت النمل ، إما بنفسها ، ويكون الله قد أعطى النمل أسماعا خارقة للعادة ، لأن التنبيه للنمل ، الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة واحدة ، من أعجب العجائب . وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل ، ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض ، حتى بلغ الجميع ، وأمرتهن بالحذر ، والطريق في ذلك ، وهو دخول مساكنهن . وعرفت حالة سليمان وجنوده ، وعظمة سلطانه ، واعتذرت عنهم ، أنهم إن حطموكم ، فليس عن قصد منهم ، ولا شعور ، فسمع سليمان عليه الصلاة والسلام قولها ، وفهمه . * ( فتبسم ضاحكا من قولها ) * إعجابا منه ، بنصح أمتها ، ونصحها ، وحسن تعبيرها . وهذا حال الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، الأدب الكامل ، والتعجب في موضعه ، وأن لا يبلغ بهم الضحك ، إلا إلى التبسم . كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه ، التبسم ، فإن القهقهة ، تدل على خفة العقل ، وسوء الأدب . وعدم التبسم والعجب ، مما يتعجب منه ، يدل على شراسة الخلق ، والجبروت . والرسل منزهون عن ذلك . وقال شاكرا لله ، الذي أوصله إلى هذه الحال : * ( رب أوزعني ) * أي : ألهمني ووفقني * ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) * . فإن النعمة على الوالدين ، نعمة على الولد . فسأل ربه ، التوفيق للقيام بشكر نعمته ، الدينية ، والدنيوية ، عليه وعلى والديه . * ( وأن أعمل صالحا ترضاه ) * أي : ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه ، لكونه موافقا لأمرك ، مخلصا فيه ، سالما من المفسدات والمنقصات . * ( وادخلني برحمتك ) * التي منها الجنة * ( في ) * ( جملة ) * ( عبادك الصالحين ) * فإن الرحمة مجعولة للصالحين ، على اختلاف درجاتهم ومنازلهم . فهذا نموذج ، ذكره الله من حالة سليمان ، عند سماعه خطاب النملة ونداءها . ثم ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير فقال : * ( وتفقد الطير ) * دل هذا ، على كمال عزمه وحزمه ، وحسن تنظيمه لجنوده ، وتدبيره بنفسه ، للأمور الصغار والكبار . حتى إنه لم يهمل هذا الأمر ، وهو : تفقد الطيور ، والنظر ، هل هي موجودة كلها ، أم مفقود منها شيء ؟ وهذا هو المعنى للآية . ولم يصنع شيئا من قال : إنه تفقد الطير ، لينظر أين الهدهد منه ، ليدله على بعد الماء وقربه ، كما زعموا عن الهدهد ، أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة ، فإن هذا القول ، لا يدل عليه دليل ، بل الدليل العقلي واللفظي ، دال على بطلانه . أما العقلي : فإنه قد عرف بالعادة ، والتجارب ، والمشاهدات ، أن هذه الحيوانات كلها ، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة ، وينظر الماء تحت الأرض الكثيفة ، ولو كان كذلك ، لذكره الله ، لأنه من أكبر الآيات . وأما الدليل اللفظي : فلو أريد هذا المعنى ، لقال : ( وطلب الهدهد لينظر له الماء ، فلما فقده قال ما قال ) أو ( فتش عن الهدهد ، أو بحث عنه ) ونحو ذلك من العبارات . وإنما تفقد الطير ، لينظر الحاضر منها والغائب ، ولزومها للمراكز والمواضع ، التي عينها لها . وأيضا فإن سليمان عليه السلام ، لا يحتاج ، ولا يضطر إلى الماء ، بحيث يحتاج لهندسة الهدهد . فإن عنده من الشياطين ، والعفاريت ، ما يحفرون له الماء ، ولو بلغ في العمق ما بلغ . وسخر الله له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر ، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الهدهد ؟ وهذه التفاسير ، التي توجد ، وتشتهر بها أقوال ، لا يعرف غيرها ، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل ، مجردة ، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة ، وتطبيقها على الأقوال ، ثم لا تزال تتناقل ، وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم ، حتى يظن أنها الحق . فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ، ما يقع . واللبيب الفطن ، يعرف أن هذا القرآن الكريم ، العربي المبين ، الذي خاطب الله به الخلق كلهم ، عالمهم ، وجاهلهم ، وأمرهم بالتفكر في معانيه ، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني ، التي لا تجهلها العرب العرباء ، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ردها إلى هذا الأصل . فإن وافقه ، قبلها ، لكون اللفظ دالا عليها ، وإن خالفته لفظا ومعنى ، أو لفظا أو معنى ، ردها ، وجزم ببطلانها ، لأن عنده أصلا معلوما ، مناقضا لها ، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته . والشاهد أن تفقد سليمان عليه السلام للطير ، وفقده الهدهد ، يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه ، وكمال فطنته ، حتى تفقد هذا الطائر الصغير * ( فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ) * أي : هل عدم رؤيتي إياه ، لقلة فطنتي به ، لكونه خفيا بين هذه الأمم الكثيرة ؟ . أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير إذني ، ولا أمري ؟ . فحينئذ تغيظ عليه ، وتوعده فقال :