عبد الرحمن بن ناصر السعدي

594

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

والفسق ، * ( إلا المجرمون ) * وهم الأئمة الذين يدعون إلى النار . * ( فما لنا ) * حينئذ * ( من شافعين ) * يشفعون لنا ، لينقذونا من عذابه . * ( ولا صديق حميم ) * أي : قريب مصاف ، ينفعنا بأدنى نفع ، كما جرت العادة بذلك في الدنيا . فأيسوا من كل خير ، وأبلوا بما كسبوا ، وتمنوا العودة إلى الدنيا ، ليعملوا صالحا . * ( فلو أن لنا كرة ) * أي : رجعة إلى الدنيا ، وإعادة إليها * ( فنكون من المؤمنين ) * لنسلم من العقاب ، ونستحق الثواب . هيهات هيهات ، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون ، وقد غلقت منهم الرهون . * ( إن في ذلك ) * الذي ذكرنا لكم ووصفنا * ( لآية ) * لكم * ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) * مع نزول الآيات . * ( كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * ومآ أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المجرمين * قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين * فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) * يذكر تعالى ، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح ، وما رد عليهم وردوا عليه ، وعاقبة الجميع فقال : * ( كذبت قوم نوح المرسلين ) * جميعهم ، لأن تكذيب نوح ، كتكذيب جميع المرسلين ، لأنهم كلهم ، اتفقوا على دعوة واحدة ، وأخبار واحدة ، فتكذيب أحدهم ، كتكذيب ، بجميع ما جاؤوا به من الحق . كذبوه * ( إذ قال لهم أخوهم ) * في النسب * ( نوح ) * . وإنما ابتعث الله الرسل ، من نسب من أرسل إليهم ، لئلا يشمئزوا من الانقياد له ، ولأنهم يعرفون حقيقته ، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه ، فقال لهم مخاطبا ، بألطف خطاب ، كما هي طريقة الرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم . * ( ألا تتقون ) * الله تعالى ، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه ، من عبادة الأوثان ، وتخلصون العبادة لله وحده . * ( إني لكم رسولا أمين ) * فكونه رسولا إليهم بالخصوص ، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم ، والإيمان به ، وأن يشكروا الله تعالى ، على أن خصهم بهذا الرسول الكريم . وكونه أمينا ، يقتضي أنه لا يقول على الله ، ولا يزيد في وحيه ، ولا ينقص . وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره . * ( فاتقوا الله وأطيعون ) * فيما أمركم به ، ونهاكم عنه ، فإن هذا ، هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم ، أمينا ، فلذلك رتبه بالفاء ، الدالة على السبب . فذكر السبب الموجب ، ثم ذكر انتفاء المانع فقال : * ( وما أسألكم عليه من أجر ) * فتتكلفون من المغرم الثقيل . * ( إن أجري إلا على رب العالمين ) * أرجو بذلك ، القرب منه ، والثواب الجزيل . وأما أنتم فمنيتي ، ومنتهى إرادتي منكم ، النصح لكم ، وسلوككم الصراط المستقيم . * ( فاتقوا الله وأطيعون ) * كرر ذلك عليه السلام ، لتكريره دعوة قومه ، وطول مكثه في ذلك ، كما قال تعالى : * ( فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ) * ، وقال : * ( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) * الآيات . فقالوا ردا لدعوته ، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة . * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * أي : كيف نتبعك ونحن لا نرى أتباعك إلا أسافل الناس ، وأراذلهم وسقطهم . بهذا يعرف عن تكبرهم عن الحق ، وجهلهم بالحقائق ، فإنهم لو كان قصدهم الحق ، لقالوا إن كان عندهم إشكال وشك في دعوته بين لنا صحة ما جئت به بالطرق الموصلة إلى ذلك . ولو تأملوا حق التأمل ، لعلموا أن أتباعه ، هم الأعلون ، خيار الخلق ، أهل العقول الرزينة ، والأخلاق الفاضلة ، وأن الأرذل ، من سلب خاصية عقله ، فاستحسن عبادة الأحجار ، ورضي أن يسجد لها ، ويدعوها ، وأبى الانقياد لدعوة الرسل الكمل . وبمجرد ما يتكلم أحد الخصمين في الكلام الباطل ، يعرف فساد ما عنده بقطع النظر عن صحة دعوى خصمه . فقوم نوح ، لما سمعنا عنهم ، أنهم قالوا في ردهم دعوة نوح : * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * فبنوا على هذا الأصل ، الذي كل أحد يعرف فساده ، رد دعوته ، عرفنا أنهم ضالون مخطؤون ، ولو لم نشاهد من آيات نوح ودعوته العظيمة ، ما يفيد الجزم واليقين ، بصدقه وصحة ما جاء به . فقال نوح عليه السلام : * ( وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) * أي : أعمالهم وحسابهم على الله ، إنما علي التبليغ ، وأنتم دعوهم عنكم ، إن كان ما جئتكم به الحق ، فانقادوا له ، وكل له عمله . * ( وما أنا بطارد المؤمنين ) * كأنهم قبحهم الله طلبوا منه أن يطردهم عنه ، تكبرا ، وتجبرا ، ليؤمنوا . فقال : * ( وما أنا بطارد المؤمنين ) * فإنهم لا يستحقون الطرد والإهانة ، إنما يستحقون الإكرام القولي ، والفعلي ، كما قال تعالى : * ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * . * ( إن أنا إلا نذير مبين ) * أي : ما أنا إلا منذر ، ومبلغ عن الله ، ومجتهد في نصح العباد ، وليس لي من الأمر شيء ، إن الأمر إلا لله .