عبد الرحمن بن ناصر السعدي

588

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

* ( واجعلنا للمتقين إماما ) * أي : أوصلنا يا ربنا ، إلى هذه الدرجة العالية ، درجة الصديقين ، والكمل من عباد الله الصالحين ، وهي درجة الإمامة في الدين ، وأن يكونوا قدوة للمتقين ، في أقوالهم ، وأفعالهم ، يقتدى بأفعالهم ويطمئن لأقوالهم ، ويسير أهل الخير خلفهم ، فيهدون ، ويهتدون . ومن المعلوم ، أن الدعاء ببلوغ شيء ، دعاء بما لا يتم إلا به . وهذه الدرجة درجة الإمامة في الدين لا تتم إلا بالصبر واليقين ، كما قال تعالى : * ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) * . فهذا الدعاء ، يستلزم من الأعمال ، والصبر على طاعة الله ، وعن معصيته ، وأقداره المؤلمة ، ومن العلم التام ، الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين خيرا كثيرا ، وعطاء جزيلا ، وأن يكونوا في أعلى ، ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل . ولهذا لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل ، فجازاهم بالمنازل العاليات فقال : * ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ) * أي : المنازل الرفيعة ، والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى ، وتلذه الأعين ، وذلك بسبب صبرهم ، نالوا ما نالوا ، كما قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) * ولهذا قال هنا : * ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) * من ربهم ، ومن ملائكته الكرام ، ومن بعض على بعض ، ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات . والحاصل : أن الله وصفهم بالوقار والسكينة ، والتواضع له ولعباده ، وحسن الأدب ، والحلم ، وسعة الخلق ، والعفو عن الجاهلين ، والإعراض عنهم ، ومقابلة إساءتهم بالإحسان ، وقيام الليل ، والإخلاص فيها ، والخوف من النار ، والتضرع لربهم ، أن ينجيهم منها ، وإخراج الواجب والمستحب في النفقات ، والاقتصاد في ذلك . وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق ، الذي جرت العادة ، بالتفريط فيه ، أو الإفراط ، فاقتصادهم ، وتوسطهم في غيره ، من باب أولى . والسلامة من كبائر الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته ، والعفة عن الدماء والأعراض ، والتوبة عند صدور شيء من ذلك ، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر ، والفسوق القولية والفعلية ، ولا يفعلونها بأنفسهم ، وأنهم يتنزهون من اللغو والأفعال الردية ، التي لا خير فيها ، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم ، وكمالهم ، ورفعة أنفسهم عن كل خسيس ، قولي وفعلي ، وأنهم يقابلون بآيات الله بالقبول لها ، والتفهم لمعانيها ، والعمل بها ، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها ، وأنهم يدعون الله تعالى ، بأكمل الدعاء في الدعاء ، الذي ينتفعون به وينتفع به من يتعلق بهم ، وينتفع به المسلمون ، من صلاح أزواجهم ، وذريتهم . ومن لوازم ذلك ، سعيهم في تعليمهم ، ووعظهم ، ونصحهم ، لأن من حرص على شيء ودعا الله فيه ، لا بد أن يكون متسببا فيه ، وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم ، وهي : درجة الإمامة والصديقية . فلله ، ما أعلى هذه الصفات ، وأرفع هذه الهمم ، وأجل هذه المطالب ، وأزكى تلك النفوس ، وأطهر تلك القلوب ، وأصفى هؤلاء الصفوة وأتقى هؤلاء السادة ولله ، فضل الله عليهم ، ونعمته ، ورحمته ، التي جللتهم ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل . ولله ، منة الله على عباده ، أن بين لهم أوصافهم ، ونعت لهم هيئاتهم ، وبين لهم هممهم ، وأوضح لهم أجورهم ، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم ، ويبذلوا جهدهم في ذلك ، ويسألوا الذي من عليهم ، وأكرمهم ، الذي ، فضله في كل زمان ومكان ، وفي كل وقت وأوان ، أن يهديهم كما هداهم ، ويتولاهم بتربيته الخاصة ، كما تولاهم . فاللهم ، لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، وبك المستغاث ، ولا حول ولا قوة ، إلا بك ، لا نملك لأنفسنا ، نفعا ولا ضرا ، ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير ، إن لم تيسر ذلك لنا ، فإنا ضعفاء ، عاجزون من كل وجه . نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين ، وكلتنا إلى ضعف ، وعجز وخطية ، فلا نثق ، يا ربنا ، إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا ، وأنعمت علينا ، بما أنعمت ، من النعم الظاهرة والباطنة ، وصرفت عنا من النقم ، فارحمنا رحمة ، تغنينا بها عن رحمة من سواك ، فلا خاب من سألك ورجاك . ولما كان الله تعالى ، قد أضاف هؤلاء العباد ، إلى رحمته ، واختصهم بعبوديته ، لشرفهم وفضلهم ، ربما توهم متوهم ، أنه ، وأيضا غيرهم ، فلم لا يدخل في العبودية ؟ فأخبر تعالى ، أنه لا يبالي ، ولا يعبأ بغير هؤلاء ، وأنه لولا دعاؤكم إياه ، دعاء العبادة ، ودعاء المسألة ، ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال : * ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) * أي : عذابا يلزمكم ، لزوم الغريم لغريمه ، وسوف يحكم الله بينكم وبين عباده المؤمنين . تم تفسير سورة الفرقان ، فلله الحمد والثناء والشكر أبدا .