عبد الرحمن بن ناصر السعدي
561
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
مع الله آلهة غيره ، بلا بينة من أمره ، ولا برهان على ذلك ، يدل على ما ذهب إليه ، وهذا قيد ملازم ، فكل من دعا غير الله ، فليس له برهان على ذلك ، بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه ، فأعرض عنها ظلما وعنادا ، فهذا سيقدم على ربه ، فيجازيه بأعماله ، ولا ينيله من الفلاح شيئا ، لأنه كافر . * ( إنه لا يفلح الكافرون ) * فكفرهم ، منعهم من الفلاح . * ( وقل ) * داعيا لربك مخلصا له الدين * ( رب اغفر ) * لنا حتى تنجينا من المكروه ، وارحمنا ، لتوصلنا برحمتك إلى كل خير . * ( وأنت خير الراحمين ) * فكل راحم للعبد ، فالله خير له منه ، أرحم بعبده من الوالدة بولدها ، وأرحم به من نفسه . تم تفسير سورة المؤمنون ، بفضل الله وإحسانه . سورة النور * ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ) * أي : هذه * ( سورة ) * عظيمة القدر * ( أنزلناها ) * رحمة منا بالعباد ، وحفظناها من كل شيطان * ( وفرضناها ) * أي : قدرنا فيها ما قدرنا ، من الحدود والشهادات وغيرها . * ( وأنزلنا فيها آيات بينات ) * أي : أحكاما جليلة ، وأوامر ، وزواجر وحكما عظيمة * ( لعلكم تذكرون ) * حين نبين لكم ، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون . * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) * ثم شرع في بيان تلك الأحكام ، المشار إليها ، فقال : * ( الزانية والزاني ) * إلى * ( من المؤمنين ) * . هذا الحكم ، في الزاني والزانية البكرين ، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة ، وأما الثيب ، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة ، أن حده الرجم . ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة بهما ، في دين الله ، تمنعنا من إقامة الحد عليهما ، سواء رأفة طبيعية أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك ، وأن الإيمان ، موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة ، من إقامة أمر الله . فرحمته حقيقة ، بإقامة الحد عليه . فنحن وإن رحمناه ، لجريان القدر عليه ، فلا نرحمه من هذا الجانب . وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين ، طائفة ، أو جماعة من المؤمنين ليشتهر ، ويحصل بذلك ، الخزي والارتداع ، وليشاهدوا الحد فعلا ، فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل ، مما يقوى به العلم ، ويستقر به الفهم ، ويكون أقرب لإصابة الصواب ، فلا يزاد فيه ، ولا ينقص . والله أعلم . * ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) * هذا بيان لرذيلة الزنا ، وأنه يدنس عرض صاحبه ، وعرض من قارنه ومازجه ، ما لا يفعله بقية الذنوب . فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء ، إلا أنثى زانية ، تناسب حاله حالها ، أو مشركة بالله ، لا تؤمن ببعث ولا جزاء ، ولا تلتزم أمر الله . والزانية كذلك ، لا ينكحها إلا زان أو مشرك * ( وحرم ذلك على المؤمنين ) * أي : حرم عليهم أن ينكحوا زانيا ، أو ينكحوا زانية . ومعنى الآية : أن من اتصف بالزنا ، من رجل أو امرأة ، ولم يتب من ذلك ، أن المقدم على نكاحه ، مع تحريم الله لذلك ، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فذاك لا يكون إلا مشركا . وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه ، فإن هذا النكاح زنا ، والناكح زان مسافح ، فلو كان مؤمنا بالله حقا ، لم يقدم على ذلك ، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية ، حتى تتوب ، وكذلك نكاح الزاني حتى يتوب ، فإن مقارنة الزوج لزوجته ، والزوجة لزوجها ، أشد الاقترانات ، والازدواجات . وقد قال تعالى : * ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) * أي : قرناءهم . فحرم الله ذلك ، لما فيه من الشر العظيم . وفيه من قلة الغيرة ، وإلحاق الأولاد ، الذين ليسوا من الزوج ، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها ، مما بعضه كاف في التحريم ، وفي هذا دليل ، على أن الزاني ليس مؤمنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) فهو وإن لم يكن مشركا ، فلا يطلق عليه اسم المدح ، الذي هو الإيمان المطلق . * ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأول ئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) * لما عظم تعالى أمر