عبد الرحمن بن ناصر السعدي
543
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
الساعة بغتة ) * أي : مفاجأة * ( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) * أي : لا خير فيه ، وهو يوم القيامة . فإذا جاءتهم الساعة ، أو أتاهم ذلك اليوم ، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ، وندموا ، حيث لا ينفعهم الندم ، وأبلسوا ، وأيسوا من كل خير ، وودوا ، لو آمنوا بالرسول ، واتخذوا معه سبيلا . ففي هذا ، تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم . * ( الملك يومئذ ) * أي : يوم القيامة * ( لله ) * تعالى ، لا لغيره . * ( يحكم بينهم ) * بحكمه العدل ، وقضائه الفصل . * ( فالذين آمنوا ) * بالله ورسوله ، وما جاؤوا به * ( وعملوا الصالحات ) * ليصدقوا بذلك إيمانهم * ( في جنات النعيم ) * نعيم القلب ، والروح ، والبدن ، مما لا يصفه الواصفون ، ولا تدركه العقول . * ( والذين كفروا ) * ( بالله ورسله ) * ( وكذبوا بآياتنا ) * الهادية للحق والصواب فأعرضوا عنها ، أو عاندوها . * ( فأولئك لهم عذاب مهين ) * لهم ، من شدته ، وألمه ، وبلوغه للأفئدة كما استهانوا برسله وآياته ، أهانهم الله بالعذاب . * ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ) * هذه بشارة كبرى ، لمن هاجر في سبيل الله ، فخرج من داره ، ووطنه ، وأولاده ، وماله ابتغاء وجه الله ، ونصرة لدين الله ، فهذا قد وجب أجره على الله ، سواء مات على فراشه ، أو قتل مجاهدا في سبيل الله . * ( ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) * في البرزخ ، وفي يوم القيامة بدخول الجنة الجامعة ، للروح والريحان ، والحسن والإحسان ، ونعيم القلب والبدن ، أو يحتمل أن المراد : أن المهاجر في سبيل الله ، قد تكفل الله برزقه في الدنيا ، رزقا واسعا حسنا ، سواء علم الله منه أنه يموت على فراشه ، أو يقتل شهيدا ، فكلهم مضمون له الرزق . فلا يتوهم أنه إذا خرج من دياره وأمواله ، سيفتقر ويحتاج ، فإن رازقه هو خير الرازقين ، وقد وقع كما أخبر ، فإن المهاجرين السابقين ، تركوا ديارهم ، وأبناءهم وأموالهم ، نصرة لدين الله ، فلم يلبثوا إلا يسيرا ، حتى فتح الله عليهم البلاد ، ومكنهم من العباد فاجتبوا من أموالها ، ما كانوا به من أغنى الناس . ويكون على هذا القول ، قوله : * ( ليدخلنهم مدخلا يرضونه ) * ، إما ما يفتح الله عليهم من البلدان ، خصوصا فتح مكة المشرفة ، فإنهم دخلوها في حالة الرضا والسرور ، وإما المراد به ، رزق الآخرة ، وأن ذلك ، دخول الجنة . فتكون الآية جمعت بين الرزقين ، رزق الدنيا ، ورزق الآخرة ، واللفظ صالح لذلك كله ، والمعنى صحيح ، فلا مانع ، من إرادة الجميع . * ( وإن الله لعليم ) * بالأمور ، ظاهرها ، وباطنها ، متقدمها ، ومتأخرها . * ( حليم ) * يعصيه الخلائق ، ويبارزونه بالعظائم ، وهو لا يعاجلهم بالعقوبة مع كمال اقتداره ، بل يواصل لهم رزقه ، ويسدي إليهم ، فضله . * ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ) * ذلك بأن من جني عليه وظلم ، فإنه يجوز له مقابلة الجاني ، بمثل جنايته ، فإن فعل ذلك ، فليس عليه سبيل ، وليس بملوم ، فإن بغي عليه بعد هذا ، فإن الله ينصره ، لأنه مظلوم ، فلا يجوز أن يبغى عليه ، بسبب أنه استوفى حقه . وإذا كان المجازي غيره ، بإساءته إذا ظلم بعد ذلك ، نصره الله ، فالذي بالأصل لم يعاقب أحدا إذا ظلم ، وجنى عليه ، فالنصر إليه أقرب . * ( إن الله لعفو غفور ) * أي : يعفو عن المذنبين ، فلا يعاجلهم بالعقوبة ، ويغفر ذنوبهم ، فيزيلها ، ويزيل آثارها عنهم . فالله هذا وصفه المستقر اللازم الذاتي ، ومعاملته لعباده في جميع الأوقات بالعفو ، والمغفرة . فينبغي لكم أيها المظلومون المجني عليهم ، أن تعفوا ، وتصفحوا ، وتغفروا ليعاملكم الله ، كما تعاملون عباده * ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) * . * ( ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير * ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) * ذلك الذي شرع لكم تلك الأحكام الحسنة العادلة ، هو حسن التصرف ، في تقديره ، وتدبيره ، الذي * ( يولج الليل في النهار ) * أي : يدخل هذا على هذا ، وهذا على هذا . فيأتي بالليل بعد النهار ، وبالنهار بعد الليل ، ويزيد في أحدهما ، ما ينقصه ، من الآخر ، ثم بالعكس ، فيترتب على ذلك ، قيام الفصول ، ومصالح الليل والنهار ، والشمس والقمر ، التي هي من أجل نعمه على العباد ، وهي من الضروريات لهم . * ( وإن الله سميع ) * يسمع ضجيج الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . * ( بصير ) * يرى دبيب النملة السوداء ، تحت الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء * ( سواء منكم من أسر القول ، ومن جهر به ، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) * .