عبد الرحمن بن ناصر السعدي
528
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) * . فاستجاب الله له ، فأغرقهم ، ولم يبق منهم أحدا ، ونجى الله نوحا وأهله ، ومن معه من المؤمنين ، في الفلك المشحون ، وجعل ذريته هم الباقين ، ونصرهم الله على قومه المستهزئين . * ( وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون * ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين * ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) * أي : واذكر هذين النبيين الكريمين ( سليمان ) و ( داود ) مثنيا مبجلا ، إذ آتاهما الله العلم الواسع ، والحكم بين العباد ، بدليل قوله : * ( إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ) * أي : إذ تحاكم إليهما صاحب حرث ، نفشت فيه غنم القوم الأخرى ، أي : رعت ليلا ، فأكلت ما في أشجاره ، ورعت زرعه ، فقضى فيه داود عليه السلام ، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث ، نظرا إلى تفريط أصحابها ، فعاقبهم بهذه العقوبة . وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب ، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث ، حتى يعود إلى حاله الأولى ، فإذا عاد إلى حاله ، ترادا ، ورجع كل منهما بماله ، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام ولهذا قال : * ( ففهمناها سليمان ) * أي : فهمناه هذه القضية ، ولا يدل ذلك ، أن داود لم يفهمه الله في غيرها ، ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله : * ( وكلا ) * من داود وسليمان * ( آتينا حكما وعلما ) * ، وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب وقد يخطئ ذلك ، وليس بملوم إذا أخطأ ، مع بذل اجتهاده . ثم ذكر ما خص به كلا منهما فقال : * ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ) * ، وذكر أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا ، وتمجيدا ، وكان قد أعطاه الله ، من حسن الصوت ورقته ورخامته ، ما لم يؤته أحدا من الخلق ، فكان إذا سبح وأثنى على الله ، جاوبته الصم والطيور البهم ، وهذا فضل الله عليه وإحسانه ولهذا قال : * ( وكنا فاعلين ) * . * ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) * أي : علم الله داود عليه السلام ، صنعة الدروع ، فهو أول من صنعها وعلمها وسرت صناعته إلى من بعده ، فألان الله له الحديد ، وعلمه كيف يسردها والفائدة فيها كبيرة . * ( لتحصنكم من بأسكم ) * أي : هي وقاية لكم ، وحفظ عند الحرب ، واشتداد البأس . * ( فهل أنتم شاكرون ) * نعمة الله عليكم ، حيث أجراها على يد عبده داود كما قال تعالى : * ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) * . يحتمل أن تعليم الله لداود صنعة الدروع ، وإلانتها أمر خارق للعادة ، وأن يكون كما قاله المفسرون : إن الله ألان له الحديد ، حتى كان يعمله كالعجين والطين ، من دون إذابة له على النار . ويحتمل أن تعليم الله له ، على جاري العادة ، وأن إلانة الحديد له ، بما علمه الله من الأسباب المعروفة الآن ، لإذابتها ، وهذا هو الظاهر ، لأن الله امتن على العباد وأمرهم بشكرها ، ولولا أن صنعته من الأمور التي جعلها الله مقدورة للعباد ، لم يمتن عليهم بذلك ، ويذكر فائدتها ، لأن الدروع التي صنع داود عليه السلام ، متعذر أن يكون المراد أعينها ، وإنما المنة بالجنس ، والاحتمال الذي ذكره المفسرون ، لا دليل عليه إلا قوله : * ( وألنا له الحديد ) * ، وليس فيه أن الإلانة من دون سبب ، والله أعلم بذلك . * ( ولسليمان الريح ) * أي : سخرناها * ( عاصفة ) * أي : سريعة في مرورها . * ( تجري بأمره ) * حيث أديرت امتثلت أمره ، غدوها شهر ورواحها شهر * ( إلى الأرض التي باركنا فيها ) * وهي أرض الشام ، حيث كان مقره . فيذهب على الريح شرقا وغربا ، ويكون مأواها ورجوعها ، إلى الأرض المباركة . * ( وكنا بكل شيء عالمين ) * قد أحاط علمنا بجميع الأشياء ، وعلمنا داود وسليمان ، ما أوصلناهما به إلى ما ذكرنا . * ( ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ) * هذا أيضا من خصائص سليمان عليه السلام ، أن الله سخر له الشياطين والعفاريت ، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال ، التي لا يقدر على كثير منها غيرهم ، فكان منهم ، من يغوص له في البحر ، ويستخرج الدار ، واللؤلؤ ، وغير ذلك . ومنهم من يعمل له * ( محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) * ، وسخر طائفة منهم ، لبناء بيت المقدس ، ومات ، وهم على عمله ، وبقوا بعده سنة ، حتى علموا موته ، كما سيأتي ، إن شاء الله تعالى . * ( وكنا لهم حافظين ) * أي : لا يقدرون على الامتناع عنه وعصيانه ، بل حفظهم الله له ، بقوته وعزته ، وسلطانه . * ( وأيوب إذ نادى