عبد الرحمن بن ناصر السعدي

525

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

والسيئات . * ( فلا تظلم نفس ) * مسلمة ولا كافرة * ( شيئا ) * بأن تنقص من حسناتها ، أو يزاد في سيئاتها . * ( وإن كان مثقال حبة من خردل ) * التي هي أصغر الأشياء وأحقرها ، من خير أو شر * ( أتينا بها ) * واحضرناها ، ليجازى بها صاحبها ، كقوله : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * . * ( قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ) * . * ( وكفى بنا حاسبين ) * يعني بذلك نفسه الكريمة ، فكفى بها حاسبا ، أي : عالما بأعمال العباد ، حافظا لها ، مثبتا لها في الكتاب ، عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها واستحقاقها ، موصلا للعمال جزاءها . * ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وه ذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ) * كثيرا ما يجمع تعالى ، بين هذين الكتابين الجليلين ، اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما ، ولا أعظم ذكرا ، ولا أبرك ، ولا أعظم هدى وبيانا ، وهما : التوراة والقرآن . فأخبر أنه آتى موسى أصلا ، وهارون تبعا * ( الفرقان ) * وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، وأنها * ( ضياء ) * أي : نور يهتدي به المهتدون ، ويأتم به السالكون ، وتعرف به الأحكام ، ويميز به بين الحلال والحرام ، وينير في ظلمة الجهل والبدع والغواية . * ( وذكرا للمتقين ) * يتذكرون به ، ما ينفعهم ، وما يضرهم ، ويتذكر به الخير والشر ، وخص * ( المتقين ) * بالذكر ، لأنهم المنتفعون بذلك ، علما وعملا ، ثم فسر المتقين فقال : * ( الذين يخشون ربهم بالغيب ) * أي : يخشونه في حال غيبتهم ، وعدم مشاهدة الناس لهم ، فمع المشاهدة أولى ، فيتورعون عما حرم ، ويقومون بما ألزم . * ( وهم من الساعة مشفقون ) * أي : خائفون وجلون ، لكمال معرفتهم بربهم ، فجمعوا بين الإحسان والخوف ، والعطف ، هنا ، من باب عطف الصفات المتغايرات ، الواردة على شيء واحد ، وموصوف واحد . * ( وهذا ) * أي : القرآن * ( ذكر مبارك أنزلناه ) * فوصفه بوصفين جليلين ، كونه ذكرا يتذكر به جميع المطالب ، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ، ومن صفات الرسل والأولياء وأحوالهم ، ومن أحكام الجزاء ، والجنة ، والنار ، فيتذكر به المسائل والدلائل العقلية والنقلية ، وسماه ذكرا ، لأنه يذكر ما ركزه الله في العقول والفطر ، من التصديق بالأخبار الصادقة ، والأمر بالحسن عقلا ، والنهي عن القبيح عقلا ، وكونه * ( مباركا ) * يقتضي كثرة خيره ونماءه ، وزيادته ، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن ، فإن كل خير ونعمة ، وزيادة دينية أو دنيوية ، أو أخروية ، فإنها بسببه ، وأثر عن العمل به . فإذا كان ذكرا مباركا ، وجب تلقيه بالقبول والانقياد ، والتسليم ، وشكرا لله على هذه المنحة الجليلة ، والقيام بها ، واستخراج بركته ، بتعلم ألفاظه ومعانيه ، ومقابلته بضد هذه الحالة ، من الإعراض عنه ، والإضراب عنه صفحا ، وإنكاره ، وعدم الإيمان به فهذا من أعظم الكفر وأشد الجهل والظلم ، ولهذا أنكر تعالى ، على من أنكره فقال : * ( أفأنتم له منكرون ) * . * ( ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما ه ذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل ه ذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت ه ذا بآلهتنا يإبراهيم * قال بل فعله كبيرهم ه ذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما ه ؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين * ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينآ إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزك اة وكانوا لنا عابدين ) * لماذ كر تعالى موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم ، وكتابيهما قال : * ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ) * أي : من قبل إرسال موسى ومحمد ، ونزول كتابيهما . فأراه الله ملكوت السماوات والأرض ، وأعطاه من الرشد ، الذي كمل به نفسه ، ودعا الناس إليه ، ما لم يؤته أحدا من العالمين ، غير محمد ، وأضاف الرشد إليه ، لكونه رشدا بحسب حاله ، وعلو مرتبته ، وإلا ، فلا مؤمن ، له من الرشد ، بحسب ما معه في الإيمان . * ( وكنا به عالمين ) * أي : أعطيناه رشده ، واختصصناه بالرسالة والخلة ، واصطفيناه في الدنيا والآخرة ، لعلمنا أنه أهل لذلك ، وكفء له ، لزكائه وذكائه ، ولهذا ذكر محاجته لقومه ، ونهيهم عن الشرك ، وتكسير الأصنام ، وإلزامهم بالحجة . فقال : * ( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ) * التي مثلتموها ونحتموها بأيديكم ، على صور بعض المخلوقات * ( التي أنتم لها عاكفون ) * مقيمون على عبادتها ، ملازمون لذلك ، فما هي ؟ وأي فضيلة ثبتت لها ؟ وأين عقولكم ، التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها ؟ والحال أنكم مثلتموها ، ونحتموها بأيديكم ، فهذا من أكبر العجائب ، تعبدون ما تنحتون .