عبد الرحمن بن ناصر السعدي
507
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
) * أي : قال فرعون لموسى على وجه الإنكار : * ( فمن ربكما يا موسى ) * ، فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح فقال : * ( ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدى ) * أي : ربنا الذي خلق جميع المخلوقات ، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به ، على حسن صنعه من خلقه ، من كبر الجسم وصغره ، وتوسطه ، وجميع صفاته ، * ( ثم هدى ) * كل مخلوق إلى ما خلقه له ، وهذه ، الهداية الكاملة المشاهدة في جميع المخلوقات . فكل مخلوق ، تجده يسعى لما خلق له من المنافع ، وفي دفع المضار عنه ، حتى إن الله أعطى الحيوان البهيم ، من العقل ، ما يتمكن به من ذلك . وهذا كقوله تعالى : * ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) * ، فالذي خلق المخلوقات ، وأعطاها خلقها الحسن ، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه ، وهداها لمصالحها ، هو الرب على الحقيقة ، فإنكاره ، إنكار لأعظم الأشياء وجودا ، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب ، فلو قدر أن الإنسان ، أنكر من الأمور المعلومة ، ما أنكر ، كان إنكاره لرب العالمين ، أكبر من ذلك . ولهذا لما لم يمكن فرعون ، أن يعاند هذا الدليل القاطع ، عدل إلى المشاغبة ، وحاد عن المقصود فقال لموسى : * ( فما بال القرون الأولى ) * ، أي : ما شأنهم ، وما خبرهم ؟ وكيف وصلت بهم الحال ، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر ، والظلم ، والعناد ، ولنا فيهم أسوة ؟ فقال موسى : * ( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) * أي : قد أحصى أعمالهم من خير وشر ، وكتبه في كتابه ، وهو اللوح المحفوظ ، وأحاط به علما وخبرا فلا يضل عن شيء منها ، ولا ينسى ما علمه منها . ومضمون ذلك ، أنهم قدموا إلى ما قدموه ، ولاقوا أعمالهم ، وسيجازون عليها ، فلا معنى لسؤالك واستفهامك ، يا فرعون ، عنهم ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ، ولكم ما كسبتم ، فإن كان الدليل الذي أوردناه ، عليك ، والآيات التي أريناكها ، قد تحققت صدقها ويقينها ، وهو الواقع ، فانقد إلى الحق ، ودع عنك الكفر والظلم ، وكثرة الجدال بالباطل ، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستيقنة ، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق فرد الدليل بالدليل ، والبرهان بالبرهان ، ولن تجد لذلك سبيلا ، ما دام الملوان . كيف وقد أخبر الله عنه ، أنه جحدها مع استيقانها ، كما قال تعالى : * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) * ( وقال موسى ) * ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ) * ، فعلم أنه ظالم في جداله ، قصده ، العلو في الأرض . ثم استطرد في هذا الدليل القاطع ، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري ، فقال : * ( الذي جعل لكم الأرض مهدا ) * أي : فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها ، والقرار ، والبناء ، والغراس ، وإثارتها للأزدراع وغيره ، وذللها لذلك ، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم . * ( وسلك لكم فيها سبلا ) * أي : نفذ لكم الطرق الموصلة . من أرض ، إلى أرض ، ومن قطر إلى قطر ، حتى كان الآدميون ، يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون ، وينتفعون بأسفارهم ، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم . * ( وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ) * أي : أنزل المطر * ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) * وأثبت بذلك جميع أصناف النباتات على اختلاف أنواعها ، وتشتت أشكالها ، وتباين أحوالها ، فساقه ، وقدره ، ويسره ، ورزقا لنا ولأنعامنا ، ولولا ذلك ، لهلك من عليها من آدمي وحيوان . ولهذا قال : * ( كلوا وارعوا أنعامكم ) * وساقها على وجه الامتنان ، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النباتات الإباحة ، فلا يحرم منهم ، إلا ما كان مضرا ، كالسموم ونحوه . * ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) * أي : لذوي العقول الرزينة ، والأفكار المستقيمة على فضل الله ، وإحسانه ، ورحمته ، وسعة جوده ، وتمام عنايته ، وعلى أنه الرب المعبود ، المالك المحمود ، الذي لا يستحق العبادة سواه ، ولا الحمد والمدح والثناء ، إلا من امتن بهذه النعم ، وعلى أنه على كل شيء قدير ، فكما أحيا الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيي الموتى . وخص الله أولي النهى بذلك ، لأنهم المنتفعون بها ، الناظرون إليها نظر اعتبار . وأما من عداهم ، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة ، والأنعام السائمة ، لا ينظرون إليها نظر اعتبار ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها ، بل حظهم ، حظ البهائم ، يأكلون ويشربون ، وقلوبهم لاهية ، وأجسادهم معرضة . * ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) * . ولما ذكر كرم الأرض ، وحسن