عبد الرحمن بن ناصر السعدي

495

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

الذميمة ، وترتع في مراتعه الوخيمة ، فتدرج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه ، بالأسهل فالأسهل ، فأخبره بعلمه ، وأن ذلك ، موجب لاتباعك إياي وأنك إن أطعتني ، اهتديت إلى صراط مستقيم ، ثم نهاه عن عبادة الشيطان ، وأخبره بما فيها من المضار ، ثم حذره عقاب الله ونقمته ، إن أقام على حاله ، وأنه يكون وليا للشيطان ، فلم ينجع هذا الدعاء ، بذلك الشقي ، فأجاب بجواب جاهل وقال : * ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) * فتبجح بآلهته ، التي هي من الحجر والأصنام ، ولام إبراهيم عن رغبته عنها ، وهذا من الجهل المفرط ، والكفر الوخيم ، يتمدح بعبادة الأوثان ، ويدعو إليها . * ( لئن لم تنته ) * أي : عن شتم آلهتي ، ودعوتي إلى عبادة الله * ( لأرجمنك ) * أي : قتلا بالحجارة * ( واهجرني مليا ) * أي : لا تكلمني زمانا طويلا . فأجابه الخليل ، جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين ، ولم يشتمه بل صبر ، ولم يقابل أباه بما يكره ، وقال : * ( سلام عليك ) * أي : ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب ، وبما تكره . * ( سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) * أي : لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة ، بأن يهديك للإسلام ، الذي به تحصل المغفرة . ف * ( إنه كان بي حفيا ) * أي : رحيما رؤوفا بحالي ، معتنيا بي ، فلم يزل يستغفر الله له ، رجاء أن يهديه الله ، فلما تبين له أنه عدو الله ، وأنه لا يفيد فيه شيئا ، ترك الاستغفار له ، وتبرأ منه . وقد أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم ، فمن اتباع ملته ، سلوك طريقه في الدعوة إلى الله ، بطريق العلم والحكمة ، واللين والسهولة ، والانتقال من رتبة إلى رتبة ، والصبر على ذلك ، وعدم السآمة منه ، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق ، بالقول والفعل ، ومقابلة ذلك ، بالصفح ، والعفو ، بل بالإحسان القولي والفعلي . فلما أيس من قومه وأبيه قال : * ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) * أي : أنتم وأصنامكم * ( وأدعو ربي ) * وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة * ( عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا ) * أي : عسى الله أن يسعدني ، بإجابة دعائي ، وقبول أعمالي ، وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم ، فاتبعوا أهواءهم ، فلم تنجع فيهم المواعظ ، فأصروا في طغيانهم يعمهون . فمن وقع في هذه الحال فعليه أن يشتغل بإصلاح نفسه ، ويرجو القبول من ربه ، ويعتزل الشر وأهله . ولما كان مفارقة الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه ، من أشق شيء على النفس ، لأمور كثيرة معروفة ، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر وكان من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، واعتزل إبراهيم قومه ، قال الله في حقه : * ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا ) * من إسحق ويعقوب * ( جعلنا نبيا ) * فحصل له ولهؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس ، الذين خصهم الله بوحيه ، واختارهم لرسالته واصطفاهم من العالمين . * ( ووهبنا لهم ) * أي : لإبراهيم وابنيه ، إسحق ويعقوب * ( من رحمتنا ) * وهذا يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة ، من العلوم النافعة ، والأعمال الصالحة ، والذرية الكثيرة المنتشرة ، الذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون . * ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) * وهذا أيضا من الرحمة التي وهبها لهم ، لأن الله وعد كل محسن ، أن ينشر له ثناء صادقا بحسب إحسانه ، وهؤلاء من أئمة المحسنين ، فنشر الله الثناء الحسن الصادق ، غير الكاذب ، العالي غير الخفي فذكرهم ملأ الخافقين ، والثناء عليهم ومحبتهم ، امتلأت بها القلوب ، وفاضت به الألسنة فصاروا قدوة للمقتدين ، وأئمة للمهتدين ، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور ، متجددة ، وذلك فضل الله ، يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . * ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) * أي : واذكر في هذا القرآن العظيم ، موسى بن عمران ، على وجه التبجيل له والتعظيم ، والتعريف بمقامه الكريم ، وأخلاقه الكاملة . * ( إنه كان مخلصا ) * وقرئ بفتح اللام ، على معنى أن الله تعالى اختاره واستخلصه ، واصطفاه على العالمين . وقرئ بكسرها ، على معنى أنه كان مخلصا لله تعالى ، في جميع أعماله ، وأقواله ، ونياته ، فوصفه بالإخلاص في جميع أحواله ، والمعنيان متلازمان ، فإن الله أخلصه ، لإخلاصه ، وإخلاصه ، موجب لاستخلاصه . وأجل حالة يوصف بها العبد ، الإخلاص منه ، والاستخلاص من ربه . * ( وكان رسولا نبيا ) * أي : جمع الله له بين الرسالة والنبوة ، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل ، وتبليغ جميع ما جاء به من