عبد الرحمن بن ناصر السعدي

487

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

قال سليمان عليه السلام ، لما حضر عنده عرش ملكة سبأ ، مع البعد العظيم قال : * ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) * ، بخلاف أهل التجبر والتكبر ، والعلو في الأرض فإن النعم الكبار ، تزيدهم أشرا وبطرا . كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ، ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولى القوة قال : * ( إنما أوتيته على علم عندي ) * . وقوله : * ( فإذا جاء وعد ربي ) * أي : لخروج يأجوج ومأجوج * ( جعله ) * أي : ذلك السد المحكم المتقن * ( دكاء ) * أي : دكه فانهدم ، واستوى هو والأرض * ( وكان وعد ربي حقا ) * . * ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا ) * * ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) * يحتمل أن الضمير ، يعود إلى يأجوج ومأجوج . وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها يموج بعضهم ببعض ، كما قال تعالى : * ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ) * . ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة ، وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض ، من الأهوال والزلازل العظام ، بدليل قوله : * ( وتركنا بعضهم ) * إلى * ( لا يستطيعون سمعا ) * أي : إذا نفخ إسرافيل في الصور ، أعاد الله الأرواح إلى الأجساد ، ثم حشرهم ، وجمعهم لموقف القيامة ، الأولين منهم والآخرين ، والكافرين والمؤمنين ، ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم ، فأما الكافرون على اختلافهم فإن جهنم جزاؤهم ، خالدين فيها أبدا . ولهذا قال : * ( وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) * كما قال تعالى : * ( وبرزت الجحيم ) * أي : عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم ، وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها ، وحميمها ، وزمهريرها ، وليذوقوا من العقاب ، ما تبكم له القلوب ، وتصم الآذان ، وهذا آثار أعمالهم ، وجزاء أفعالهم ، فإنهم في الدنيا * ( كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) * أي : معرضين عن الذكر الحكيم ، والقرآن الكريم ، وقالوا : * ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) * ، وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة كما قال تعالى : * ( وعلى أبصارهم غشاوة ) * . * ( وكانوا لا يستطيعون سمعا ) * أي : لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان ، لبغضهم القرآن والرسول ، فإن المبغض ، لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه ، فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير ، فليس لهم سمع ولا بصر ، ولا عقل نافع ، فقد كفروا بالله ، وجحدوا آياته ، وكذبوا رسله ، فاستحقوا جهنم ، وساءت مصيرا . * ( أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا ) * وهذا برهان وبيان ، لبطلان دعوى المشركين الكافرين ، الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء ، شركاء لله يعبدونهم ، ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء ، ينجونهم من عذاب الله ، وينيلونهم ثوابه ، وهم قد كفروا بالله وبرسوله . يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول : * ( أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ) * أي : لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله ، معاديا لله أبدا ، فإن الأولياء موافقون لله ، في محبته ، ورضاه ، وسخطه ، وبغضه ، فيكون على هذا المعنى ، مشابها لقوله تعالى : * ( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ) * . فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له ، وهو معاد لله ، فهو كاذب ، ويحتمل وهو الظاهر أن المعنى : أفحسب الكفار بالله ، المنابذون لرسله ، أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم ، وينفعونهم من دون الله ، ويدفعون عنهم الأذى ؟ هذا حسبان باطل ، وظن فاسد ، فإن جميع المخلوقين ، ليس بيدهم من النفع والضر ، شيء . ويكون هذا ، كقوله تعالى : * ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ) * ، * ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ) * ، ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها ، أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه ، ضال خائب الرجاء ، غير نائل لبعض مقصوده . * ( إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا ) * أي : ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم ، وبئست جهنم ، ضيافتهم . * ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أول ئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا