عبد الرحمن بن ناصر السعدي
476
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
* ( فمن شاء فليؤمن من شاء فليكفر ) * أي : لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين ، بحسب توفيق العبد ، وعدم توفيقه ، وقد أعطاه الله مشيئة ، بها يقدر على الإيمان والكفر ، والخير والشر فمن آمن ، فقد وفق للصواب ، ومن كفر ، فقد قامت عليه الحجة ، وليس بمكره على الإيمان كما قال تعالى : * ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) * . ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال : * ( إنا اعتدنا للظالمين ) * بالكفر والفسوق والعصيان * ( نارا أحاط بهم سرادقها ) * أي : سورها المحيط بها . فليس لهم منفذ ، ولا طريق ، ولا مخلص منها ، تصلاهم النار الحامية . * ( وإن يستغيثوا ) * أن يطلبوا الشراب ، ليطفىء ما نزل بهم من العطش الشديد . * ( يغاثوا بماء كالمهل ) * أي : كالرصاص المذاب ، أو كعكر الزيت ، من شدة حرارته . * ( يشوي الوجوه ) * أي : فكيف بالأمعاء والبطون ، كما قال تعالى : * ( يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد ) * . * ( بئس الشراب ) * الذي يراد ليطفىء العطش ، ويدفع بعض العذاب ، فيكون زيادة في عذابهم ، وشدة عقابهم . * ( وساءت ) * النار * ( مرتفقا ) * وهذا ذم لحالة النار ، أنها ساءت المحل ، الذي يرتفق به . فإنها ليس فيها ارتفاق ، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق ، الذي لا يفتر عنهم ساعة ، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير ، ونسيهم الرحيم في العذاب ، كما نسوه . ثم ذكر الفريق الثاني فقال : * ( إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات ) * أي : جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر والقدر ، خيره ، وشره ، وعمل الصالحات ، من الواجبات والمستحبات * ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) * . وإحسان العمل ، أن يريد العبد العمل لوجه الله ، متبعا في ذلك شرع الله . فهذا العمل لا يضيعه الله ، ولا شيئا منه ، بل يحفظه للعاملين ، ويوفيهم من الأجر ، بحسب عملهم وفضله وإحسانه ، وذكر أجرهم بقوله : * ( أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك ) * . أي : أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح ، لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها ، فأجنت من فيها ، وكثرت أنهارها ، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة ، والمنازل الرفيعة . وحليتهم فيها ، الذهب ، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس ، وهو الغليظ من الديباج ، والإستبرق ، وهو : ما رق منه . متكئين فيها على الأرائك وهي : السرر المزينة ، المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمى أريكة ، حتى تكون كذلك . وفي اتكائهم على الأرائك ، ما يدل على كمال الراحة ، وزوال النصب والتعب ، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون ، وتمام ذلك ، الخلود الدائم والإقامة الأبدية . فهذه الدار الجليلة * ( نعم الثواب ) * للعاملين * ( وحسنت مرتفقا ) * يرتفقون بها ، ويتمتعون بما فيها ، مما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، من الحبرة والسرور ، والفرح الدائم ، واللذات المتواترة ، والنعم المتوافرة . وأي مرتفق ، أحسن من دار ، أدنى أهلها ، يسير في ملكه ونعيمه ، وقصوره وبساتينه ، ألفي سنة ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم . قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه ، وزيد من المطالب ، ما قصرت عنه الأماني . ومع ذلك ، فنعيهم على الدوام ، متزايد في أوصافه وحسنه . فنسأل الله الكريم ، أن لا يحرمنا خير ما عنده ، من الإحسان ، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان . ودلت الآية الكريمة ، وما أشبهها ، على أن الحلية ، عامة للذكور والإناث ، كما ورد في الأخبار الصحيحة لأنه أطلقها في قوله : * ( يحلون ) * وكذلك الحرير ونحوه . * ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ) * يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : اضرب للناس مثل هذين الرجلين الشاكر لنعمة الله ، والكافر لها ، وما صدر من كل منهما ، من الأقوال والأفعال ، وما حصل بسبب ذلك ، من العقاب العاجل ، والآجل ، والثواب ليعتبروا بحالهما ، ويتعظوا بما حصل عليهما ، وليس معرفة أعيان الرجلين ، وفي أي زمان أو مكان هما ، فيه فائدة أو نتيجة . فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط ، والتعرض لما سوى ذلك ، من التكلف . فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة ، جعل الله له جنتين أي : بساتين حسنين ، من أعناب . * ( وحففناهما بنخل ) * أي : في هاتين الجنتين من كل الثمرات ، وخصوصا أشرف الأشجار ، العنب ، والنخل . فالعنب ، وسطها ، والنخل ، قد حف بذلك ، ودار به ، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه ، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح ، التي تكمل لها الثمار ، وتنضج وتتجوهر ، ومع ذلك ، جعل بين تلك الأشجار زرعا . فلم يبق عليهما إلا أن يقال : كيف ثمار هاتين الجنتين ؟ وهل لهما ماء يكفيهما ؟ فأخبر تعالى ، أن كلا من الجنتين آتت أكلها أي : ثمرها وزرعها ضعفين أي : متضاعفا * ( و ) * أنها * ( لم تظلم منه شيئا ) * أي : لم تنقص من أكلها أدنى شيء . ومع ذلك ، فالأنهار في جوانبهما سارحة ، كثيرة غزيرة . * ( وكان له ) * أي : لذلك الرجل * ( ثمر ) * أي : عظيم كما يفيده التنكير أي : قد استكملت جنتاه ثمارهما ،