عبد الرحمن بن ناصر السعدي

458

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) * . بل تكون حقيرا عند الله ومحتقرا عند الخلق ، مبغوضا ممقوتا ، قد اكتسبت شر الأخلاق ، واكتسيت بأرذلها ، من غير إدراك لبعض ما تروم . * ( كل ذلك ) * المذكور الذي نهى الله عنه فيما تقدم من قوله : * ( ولا تجعل مع الله إلها آخر ) * والنهي عن عقوق الوالدين وما عطف على ذلك * ( كان سيئه عند ربك مكروها ) * أي : كل ذلك يسوء العاملين ويضرهم ، والله تعالى يكرهه ويأباه . * ( ذلك ) * الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة ، * ( مما أوحى إليك ربك من الحكمة ) * فإن الحكمة ، الأمر بمحاسن الأعمال ، ومكارم الأخلاق ، والنهي عن أراذل الأخلاق ، وأسوإ الأعمال . وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات ، من الحكمة العالية ، التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين ، في أشرف الكتب ، ليأمر بها أفضل الأمم ، فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا . ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله ، كما افتتحها بذلك فقال : * ( ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ) * أي : خالدا مخلدا ، فإنه من يشرك بالله ، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . * ( ملوما مدحورا ) * أي : قد لحقتك اللائمة ، واللعنة ، والذم من الله ، وملائكته ، والناس أجمعين . * ( أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ) * وهذا إنكار شديد ، على من زعم أن الله اتخذ من خلقه بنات فقال : * ( أفأصفاكم ربكم بالبنين ) * أي : اختار لكم الصفوة والنصيب الكامل ، واتخذ لنفسه من الملائكة إناثا ، حيث زعموا أن الملائكة بنات الله . * ( إنكم لتقولون قولا عظيما ) * فيه أعظم الجرأة على الله ، حيث نسبتم له الولد المتضمن لحاجته ، واستغناء بعض المخلوقات عنه ، وحكمتم له بأردأ القسمين ، وهو الإناث ، وهو الذي خلقكم ، واصطفاكم بالذكور ، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . * ( ولقد صرفنا في ه ذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا * قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا * تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ول كن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) * يخبر تعالى ، أنه صرف لعباده ، في هذا القرآن ، أي نوع الأحكام ، ووضحها ، وأكثر من الأدلة والبراهين ، على ما دعا إليه ، ووعظ وذكر ، لأجل أن يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه ، وما يضرهم فيدعوه . ولكن أبى أكثر الناس ، إلا نفورا عن آيات الله ، لبغضهم للحق ، ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل ، حتى تعصبوا لباطلهم ، ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا ، ولا ألقوا لها بالا . ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة ، التوحيد الذي هو أصل الأصول . فأمر به ، ونهى عن ضده ، وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية ، شيئا كثيرا ، بحيث أن من أصغى إلى بعضها ، لا تدع في قلبه ، شكا ولا ريبا . ومن الأدلة على ذلك ، هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا فقال : * ( قل ) * للمشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر : * ( لو كان معه آلهة كما يقولون ) * أي : على موجب زعمهم وافترائهم * ( إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) * أي : لاتخذوا سبيلا إلى الله بعبادته ، والإنابة إليه والتقرب وابتغاء الوسيلة . فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه ، إلها مع الله ؟ هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه ؟ فعلى هذا المعنى ، تكون هذه الآية كقوله تعالى : * ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ) * . وكقوله تعالى : * ( ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) * . ويحتمل أن المعنى في قوله : * ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) * أي : وسعوا في مغالبة الله تعالى . فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر ، هو الرب الإله . فأما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم ، التي يدعون من دون الله مقهورة مغلوبة ، ليس لها من الأمر شيء ، فلم اتخذوها وهي بهذه الحال ؟ فيكون هذا كقوله تعالى : * ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) * . * ( سبحانه وتعالى ) * أي : تقدس وتنزه وعلت أوصافه * ( عما يقولون ) * من الشرك به ، واتخاذ الأنداد معه * ( علوا كبيرا ) * فعلا قدره ، وعظم ، وجلت كبرياؤه ، التي لا تقادر أن