عبد الرحمن بن ناصر السعدي
423
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
ولا تجعلوا حالنا ، حجة لكم على رد ما جئناكم به ، وقولكم : * ( فائتونا بسلطان مبين ) * فإن هذا ليس بأيدينا ، وليس لنا من الأمر شيء . * ( وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ) * فهو الذي إن شاء جاءكم به ، وإن شاء لم يأتكم به ، وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته ، * ( وعلى الله ) * لا على غيره * ( فليتوكل المؤمنون ) * فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ، ودفع مضارهم ، لعلمهم بتمام كفايته ، وكمال قدرته ، وعميم إحسانه ، ويثقون به ، في تيسير ذلك ، وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم . فعلم بهذا ، وجوب التوكل ، وأنه من لوازم الإيمان ، ومن العبادات الكبار ، التي يحبها الله ويرضاها ، لتوقف سائر العبادات عليه ، * ( وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) * . أي : أي شيء يمنعنا من التوكل على الله ، والحال ، أننا على الحق والهدى ، ومن كان على الحق والهدى ، فإن هداه ، يوجب له تمام التوكل ، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته ، يدعو إلى ذلك ، بخلاف من لم يكن على الحق والهدى ، فإنه ليس ضامنا على الله ، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل . وفي هذا كالإشارة من الرسل ، عليهم الصلاة والسلام لقومهم ، بآية عظيمة ، وهو أن قومهم في الغالب أن لهم القهر والغلبة عليهم ، فتحدتهم رسلهم ، بأنهم متوكلون على الله ، في دفع كيدهم ومكرهم ، وجازمون بكفايته إياهم ، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم ، وإطفاء ما معهم من الحق ، فيكون هذا ، كقول نوح لقومه : * ( يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) * الآيات . وقول هود عليه السلام : * ( إني أشهد الله واشهدوا ، أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) * . * ( ولنصبرن على ما آذيتمونا ) * أي : ولنستمرن على دعوتكم ، ووعظكم ، وتذكيركم ، ولا نبالي بما يأتينا منكم ، من الأذى ، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى ، احتسابا للأجر ، ونصحا لكم ، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير . * ( وعلى الله ) * وحده لا على غيره * ( فيتوكل المتوكلون ) * فإن التوكل عليه ، مفتاح لكل خير . واعلم أن الرسل ، عليهم الصلاة والسلام ، توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب ، وهو التوكل على الله ، في إقامة دينه ونصره ، وهداية عبيده ، وإزالة الضلال عنهم ، وهذا أكمل ما يكون من التوكل . * ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجن كم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكنن كم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد * واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ورآئه جهنم ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورآئه عذاب غليظ ) * لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك ، وعدم مللهم ، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال ، مع قومهم فقال : * ( وقال الذين كفروا لرسلهم ) * متوعدين لهم * ( لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) * وهذا أبلغ ما يكون من الرد ، وليس بعد هذا فيهم مطمع ، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى ، بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم ، وزعموا أن الرسل ، لا حق لهم فيها ، وهذا من أعظم الظلم ، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض ، وأمرهم بعبادته ، وسخر لهم الأرض وما عليها ، يستعينون بها على عبادته . فمن استعان بذلك على عبادة الله ، حل له ذلك ، وخرج من التبعة ، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي ، لم يكن ذلك خالصا له ، ولم يحل له ، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ، ليس لهم شيء من الأرض ، التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها . وإن رجعنا إلى مجرد العادة ، فإن الرسل من جملة أهل بلادهم ، وأفراد منهم ، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم ، صريحا واضحا ؟ هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية ؟ ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ، ما بقي حينئذ ، إلا أن يمضي الله أمره ، وينصر أولياءه ، * ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ) * بأنواع العقوبات . * ( ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك ) * أي : العاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم ، جزاء * ( لمن خاف مقامي ) * عليه في الدنيا ، وراقب الله مراقبة من يعلم أنه يراه ، * ( وخاف وعيد ) * أي : ما توعدت به من عصاني ، فأوجب له ذلك ، الانكفاف عما يكرهه الله ، والمبادرة إلى ما يحبه الله . * ( واستفتحوا ) * أي : الكفار ، أي : هم الذين طلبوا ، واستعجلوا فتح الله وفرقانه ، بين أوليائه وأعدائه ، فجاءهم ما استفتحوا به ، وإلا فالله عليم حليم ،