عبد الرحمن بن ناصر السعدي
411
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
ويعمل الأسباب التي تنفعه ، في دينه ودنياه . ومنها : حسن تدبير يوسف ، لما تولى خزائن الأرض ، حتى كثرت عندهم الغلات جدا ، وحتى صار أهل الأقطار ، يقصدون مصر لطلب الميرة منها ، لعلمهم بوفورها فيها ، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل ، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله . ومنها : مشروعية الضيافة ، وأنها من سنن المرسلين ، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته : * ( ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ) * . ومنها : أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم . فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة ، ثم قال لهم بعد ما أتوه ، وزعموا أن الذئب أكله * ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) * ، قال لهم في الأخ الآخر : * ( هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ) * ، ثم لما احتبسه يوسف عنده ، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم : * ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) * فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرطين فقد جرى منهم ، ما أوجب لأبيهم ، أن قال ما قال ، من غير إثم عليه ولا حرج . ومنها : أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره ، أو الرافعة لها بعد نزولها ، غير ممنوع ، بل جائز ، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر . فإن الأسباب أيضا ، من القضاء والقدر لأمر يعقوب ، حيث قال لبنيه : * ( يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ) * . ومنها : جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق ، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة ، إلى مقاصدها ، مما يحمد عليه العبد ، وإنما الممنوع ، التحيل على إسقاط واجب ، أو فعل محرم . ومنها : أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره ، بأمر لا يحب أن يطلع عليه ، أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية ، المانعة من الكذب ، كما فعل يوسف ، حيث ألقى الصواع في رحل أخيه ، ثم استخرجها منه ، موهما أنه سارق ، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته ، وقال بعد ذلك : * ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ) * ولم يقل ( من سرق متاعنا ) وكذلك لم يقل ( إنا وجدنا متاعنا عنده ) بل أتى بكلام عام ، يصلح له ولغيره ، وليس في ذلك محذور ، وإنما فيه إيهام أنه سارق ، ليحصل المقصود الحاضر ، وأن يبقى عنده أخوه ، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام ، بعد ما تبينت الحال . ومنها : أنه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه ، وتحققه بمشاهدة ، أو خبر من يثق به ، وتطمئن إليه النفس لقولهم : * ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) * . ومنها : هذه المحنة العظيمة ، التي امتحن الله بها نبيه وصفيه ، يعقوب عليه السلام ، حيث قضى بالتفريق ، بينه وبين ابنه يوسف ، الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ، ويحزنه ذلك أشد الحزن ، فحصل التفريق بينه وبينه ، مدة طويلة ، لا تقصر عن ثلاثين سنة ، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة * ( وابيضت عيناه من الحزن فهم كظيم ) * . ثم ازداد به الأمر شدة ، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني ، شقيق يوسف ، هذا وهو صابر لأمر الله ، محتسب الأجر من الله ، قد وعد من نفسه الصبر الجميل ، ولا شك أنه وفى بما وعد به . ولا ينافي ذلك ، قوله : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) * فإن الشكوى إلى الله ، لا تنافي الصبر ، وإنما الذي ينافيه ، الشكوى إلى المخلوقين . ومنها : أن الفرج مع الكرب ؛ وأن مع العسر يسرا ، فإنه لما طال الحزن على يعقوب ، واشتد به إلى أنهى ما يكون ، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ، ومسهم الضر ، أذن الله حينئذ ، بالفرج ، فحصل التلاقي ، في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا ، فتم بذلك الأجر ، وحصل السرور ، وعلم من ذلك ، أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء ، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم وشكرهم ، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعرفانهم . ومنها : جواز إخبار الإنسان بما يجد ، وما هو فيه من مرض ، أو فقر ونحوهما ، على غير وجه التسخط ، لأن إخوة يوسف قالوا : * ( يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) * ولم ينكر عليهم يوسف . ومنها : فضيلة التقوى ، وأن كل خير في الدنيا والآخرة ، فمن آثار التقوى والصبر ، وأن عاقبة أهلهما ، أحسن العواقب لقوله : * ( قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) * . ومنها : أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة ، بعد شدة ، وفقر ، وسوء حال ، أن يعترف بنعمة الله عليه ، وأن لا يزال ذاكرا حاله الأولى ، ليحدث لذلك شكرا ، كلما ذكرها ، لقول يوسف عليه السلام : * ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ) * .