عبد الرحمن بن ناصر السعدي

409

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

لا إثم على من باشره ، ببيع ، أو شراء ، أو خدمة ، أو انتفاع ، أو استعمال . فإن يوسف عليه السلام ، باعه إخوته بيعا حراما ، لا يجوز . ثم ذهبت به السيارة إلى مصر ، فباعوه بها ، وبقي عند سيده غلاما رقيقا ، وسماه الله سيدا ، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم . ومنها : الحذر من الخلوة بالنساء ، اللائي يخشى منهن الفتنة ، والحذر أيضا من المحبة ، التي يخشى ضررها . فإن امرأة العزيز ، جرى منها ما جرى ، بسبب انفرادها بيوسف ، وحبها الشديد له ، الذي ما تركها ، حتى راودته تلك المراودة ، ثم كذبت عليه ، فسجن بسببها مدة طويلة . ومنها : أن الهم الذي ، هم به يوسف بالمرأة ، ثم تركه لله ، مما يرقيه إلى الله زلفى ، لأن الهم داع من دواعي النفس ، الأمارة بالسوء ، وهو طبيعة لأغلب الخلق . فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته ، غلبت محبة الله وخشيته ، داعي النفس ، والهوى ، فكان ممن * ( خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ) * ، ومن السبعة الذين يظلمهم الله في ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله ، أحدهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، وإنما الهم الذي يلام عليه العبد ، الهم الذي يساكنه ، ويصير عزما ، ربما اقترن به الفعل . ومنها : أن من دخل الإيمان قلبه ، وكان مخلصا لله ، في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه ، وصدق إخلاصه ، من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ، ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله : * ( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) * على قراءة من قرأها بكسر اللام ، ومن قرأها بالفتح ، فإنه من إخلاص الله إياه ، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه ، فلما أخلص عمله لله ، وخلصه الله ، وخلصه من السوء والفحشاء . ومنها : أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية ، أن يفر منه ، ويهرب ، غاية ما يمكنه ، ليتمكن من التخلص من المعصية ، لأن يوسف عليه السلام لما راودته التي هو في بيتها فر هاربا ، يطلب الباب ، ليتخلص من شرها . ومنها : أن القرائن يعمل بها ، عند الاشتباه ، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار ، فما يصلح للرجل ، فإنه للرجل ، وما يصلح للمرأة ، فهو لها ، هذا إذا لم يكن بينة . وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما ، من غير بينة ، والعمل بالقيافة ، في الأشباه والأثر ، من هذا الباب . فإن شاهد يوسف شهد القرينة ، وحكم بها في قد القميص ، واستدل بقده من دبره على صدق يوسف وكذبها . ومما يدل على هذه القاعدة ، أن استدل بوجود الصواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة ، من غير بينة شهادة ، ولا إقرار . فعلى هذا ، إذا وجد المسروق في يد السارق ، خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة ، فإنه يحكم عليه بالسرقة ، وهذا أبلغ من الشهادة ، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر ، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد ، حاملا فإنه يقام بذلك الحد ، ما لم يقع مانع منه ، ولهذا سمى الله هذا الحكم شاهدا فقال : * ( وشهد شاهد من أهلها ) * . ومنها : ما عليه يوسف ، من الجمال الظاهر والباطن ، فإن جماله الظاهر ، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب . وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن * ( ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ) * . وأما جماله الباطن ، فهو العفة العظيمة عن المعصية ، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها ، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته ، ولهذا قالت امرأة العزيز : * ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) * ، وقالت بعد ذلك : * ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) * ، وقالت النسوة : * ( حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) * . ومنها : أن يوسف عليه السلام ، اختار السجن على المعصية . فهكذا ينبغي للعبد ، إذا ابتلي بين أمرين إما فعل معصية ، وإما عقوبة دنيوية أن يختار العقوبة الدنيوية ، على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة ، في الدنيا والآخرة . ولهذا من علامات الإيمان ، أن يكره العبد أن يعود في الكفر ، بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار . ومنها : أنه ينبغي للعبد ، أن يلتجىء إلى الله ، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية ، ويتبرأ من حوله وقوته ، لقول يوسف عليه السلام : * ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) * . ومنها : أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير ، وينهيانه عن الشر ، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس ، وإن كان معصية ضارا لصاحبه .