عبد الرحمن بن ناصر السعدي
299
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
للإيمان ، جزاء لهم على ردهم الحق ، كما قال تعالى : * ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) * . * ( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) * عقوبة منه . وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم . * ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) * أي : وما وجدنا لأكثر الأمم ، الذين أرسل الله إليهم الرسل من عهد ، أي : من ثبات والتزام ، لوصية الله ، التي أوصى بها جميع العالمين ، ولا انقادوا لأوامره التي ساقها إليهم على ألسنة رسله . * ( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) * أي : خارجين عن طاعة الله ، متبعين لأهوائهم بغير هدى من الله ، فالله تعالى امتحن العباد بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب وأمرهم باتباع عهده وهداه ، فلم يمتثل لأمره إلا القليل من الناس ، الذين سبقت لهم من الله ، سابقة السعادة . وأما أكثر الخلق ، فأعرضوا عن الهدى ، واستكبروا عما جاءت به الرسل ، فأحل الله بهم من عقوباته المتنوعة ما أحل . * ( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين * وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل * قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال الملأ من قوم فرعون إن ه ذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم * وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين * قالوا يا موسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم * وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون * فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * وألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن ه ذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين * قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين * وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبنآءهم ونستحي ي نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون * قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون * ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا ه ذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ول كن أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون * فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون * وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إل ها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن ه ؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إل ها وهو فضلكم على العالمين * وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم * وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين * ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ول كن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين * قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين * وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين * سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون * واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين * ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين * ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعدآء ولا تجعلني مع القوم الظالمين * قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم * ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون * واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منآ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في ه ذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدن آ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزك اة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أول ئك هم المفلحون * قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إل ه إلا هو يحي ي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون * ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون * وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ول كن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قيل لهم اسكنوا ه ذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون * وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين * وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم * وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون * فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض ه ذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين * وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) * أي : ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل ، موسى الكليم ، الإمام العظيم ، والرسول الكريم ، إلى قوم عتاة جبابرة ، وهم فرعون وملؤه ، من أشرافهم وكبارائهم ، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير * ( فظلموا بها ) * بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له ، فهو ظالم ، بل استكبروا عنها . * ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) * كيف أهلكهم الله ، وأتبعهم الذم واللعنة ، في الدنيا ، ويوم القيامة ، بئس الرفد المرفود ، وهذا مجمل فصله بقوله : * ( وقال موسى ) * حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان ، * ( يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) * أي : إني رسول من مرسل عظيم ، وهو رب العالمين ، الشامل للعالم العلوي والسفلي ، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية ، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى ، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه ، ويدعي أنه أرسله ، ولم يرسله . فإذا كان هذا شأنه ، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته ، فحقيق علي أن لا أكذب عليه ، ولا أقول عليه إلا الحق ، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة ، وأخذني أخذ عزيز مقتدر . فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه ، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة ، على صحة ما جاء به من الحق فوجب عليهم ، أن يعملوا بمقصود رسالته ، ولها مقصودان عظيمان ، إيمانهم به ، واتباعهم له ، وإرسال بني إسرائيل ، الشعب الذي فضله الله على العالمين ، أولاد الأنبياء ، وسلسلة يعقوب عليه السلام ، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم . * ( 106 ) فقال له فرعون : * ( إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ) * * ( فألقى عصاه ) * ( في الأرض ) * ( فإذا هي ثعبان مبين ) * أي : حية ظاهرة ، تسعى ، وهم يشاهدونها . * ( ونزع يده ) * من جيبه * ( فإذا هي بيضاء للناظرين ) * من غير سوء . فهاتان آيتان كبيرتان ، دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه ، وأنه رسول رب العالمين ، ولكن الذين لا يؤمنون ، لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ، حتى يروا العذاب الأليم . فلهذا * ( قال الملأ من قوم فرعون ) * حين بهرهم ما رأوا من الآيات ، ولم يؤمنوا ، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة : * ( إن هذا لساحر عليم ) * أي : ماهر في سحره . ثم خوفوا ضعفاء الأحلام ، وسفهاء العقول ، بأنه * ( يريد ) * موسى بفعله هذا * ( أن يخرجكم من أرضكم ) * أي : يريد أن يجليكم عن أوطانكم * ( فماذا تأمرون ) * أي : إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى ، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم ، فإن ما جاء به ، إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه ، وإلا دخل في عقول أكثر الناس ، فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون : * ( أرجه وأخاه ) * أي احبسهما ، وأمهلهما ، وابعث في المدائن أناسا ، يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم ، أي : يجيئون بالسحرة المهرة ، ليقابلوا ما جاء به موسى ، فقالوا : يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى . * ( قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ) * . وقال هنا : * ( وجاء السحرة فرعون ) * طالبين منه الجزاء إن غلبوا * ( قالوا : إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ) * ( ف ) * ( قال ) * ( فرعون ) * ( نعم ) * ( لكم أجر ) * ( وإنكم لمن المقربين ) * . فوعدهم الأجر والتقريب ، وعلو المنزلة عنده ، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم ، في مغالبة موسى . فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم * ( قالوا ) * على وجه التألي وعدم