عبد الرحمن بن ناصر السعدي
293
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
ومعتقد واحد ، فقال عن نوح أول المرسلين . * ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) * يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، حين كانوا يعبدون الأوثان ، * ( فقال ) * لهم : * ( يا قوم اعبدوا الله ) * أي : وحده * ( ما لكم من إله غيره ) * لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور ، وما سواه مخلوق مدبر ، ليس له من الأمر شيء . ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب الله فقال : * ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) * وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام ، وشفقته عليهم ، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي ، والشقاء السرمدي ، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم ، فلما قال لهم هذه المقالة ، ردوا عليه أقبح رد . * ( قال الملأ من قومه ) * أي : الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق ، وعدم انقيادهم للرسل ، * ( إنا لنراك في ضلال مبين ) * فلم يكفهم قبحهم الله أنهم لم ينقادوا له ، بل استكبروا عن الانقياد له ، وقدحوا فيه أعظم قدح ، ونسبوه إلى الضلال . ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ، ضلالا مبينا ، واضحا لكل أحد . وهذا من أعظم أنواع المكابرة ، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا ، وإنما هذا الوصف ، منطبق على قوم نوح ، الذين جاؤوا إلى أصنام ، قد صوروها ونحتوها بأيديهم ، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تغني عنهم شيئا ، فنزلوها منزلة فاطر السماوات ، وصرفوا لها ما أمكنهم ، من أنواع القربات . فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة الله عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم ، بل هم أهدى منهم وأعقل ، فرد نوح عليهم ردا لطيفا ، وترقق لهم ، لعلهم ينقادون له فقال : * ( يا قوم ليس بي ضلالة ) * أي : لست ضالا في مسألة من المسائل ، بوجه من الوجوه ، وإنما أنا هاد مهتد . بل هدايته عليه الصلاة والسلام من جنس هداية إخوانه ، أولي العزم من المرسلين ، أعلى أنواع الهدايات وأكملها ، وأتمها ، وهي هداية الرسالة التامة الكاملة ، ولهذا قال : * ( ولكني رسول من رب العالمين ) * أي : ربي وربكم ورب جميع الخلق ، بأنواع التربية ، الذي من أعظم تربيته ، أن أرسل إلى عباده رسلا ، تأمرهم بالأعمال الصالحة ، والأخلاق الفاضلة ، والعقائد الحسنة وتنهاهم عن أضدادها . ولهذا قال : * ( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) * أي : وظيفتي تبليغكم ، ببيان توحيده ، وأوامره ، ونواهيه ، على وجه النصيحة لكم ، والشفقة عليكم . * ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) * فالذي يتعين أن تطيعوني وتنقادوا لأمري إن كنتم تعلمون . * ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) * أي : كيف تعجبون من حالة لا ينبغي العجب منها ، وهو : أن جاءكم التذكير والموعظة والنصيحة ، على يد رجل منكم ، تعرفون حقيقته وصدقه وحاله ؟ فهذه الحال من عناية الله بكم وبره وإحسانه الذي يتلقى بالقبول والشكر ، وقوله : * ( لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ) * أي : لينذركم العذاب الأليم ، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ، ظاهرا وباطنا ، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة . فلم يفد فيهم ، ولا نجح * ( فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك ) * أي : السفينة التي أمر الله نوحا عليه السلام بصنعها ، وأوحى إليه أن يحمل من كل صنف من الحيوانات ، زوجين اثنين وأهله ، ومن آمن معه ، فحملهم فيها ونجاهم الله بها . * ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ) * عن الهدى ، أبصروا الحق ، وأراهم الله على يد نوح من الآيات البينات ، ما به يؤمن أولو الألباب ، فسخروا منه ، واستهتروا به ، وكفروا . * ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إل ه غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون * قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلوني في أسماء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) * أي : * ( و ) * أرسلنا * ( إلى عاد ) * الأولى ، الذين كانوا في أرض اليمن ، * ( أخاهم ) * في النسب * ( هودا ) * عليه السلام ، يدعوهم إلى التوحيد ، وينهاهم عن الشرك والطغيان في الأرض . * ( قال ) * لهم : * ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) * سخطه وعذابه ، إن أقمتم على ما أنتم عليه ، فلم يستجيبوا ولا انقادوا . * ( قال الملأ الذين كفروا من قومه ) * رادين لدعوته ، قادحين في رأيه * ( إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ) * أي : ما نراك إلا سفيها غير رشيد ، ويغلب على ظننا ، أنك من جملة الكاذبين . وقد انقلبت عليهم الحقيقة ، واستحكم عماهم ، حيث ذموا نبيهم ، عليه السلام ، بما هم متصفون به ، وهو أبعد الناس عنه ، فإنهم السفهاء حقا ، الكاذبون . وأي : سفه أعظم ممن قابل أحق الحق ، بالرد والإنكار ، وتكبر عن الانقياد للمرشدين والنصحاء ، وانقاد قلبه وقالبه ، لكل شيطان مريد ، ووضع العبادة في غير موضعها ، فعبد من