عبد الرحمن بن ناصر السعدي

285

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم ، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم ، ظن وصدق ظنه فقال : * ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) * فإن القيام بالشكر ، من سلوك الصراط المستقيم ، وهو يريد صدهم عنه ، وعدم قيامهم به ، قال تعالى : * ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) * . وإنما نبهنا الله على ما قال وعزم على فعله ، لنأخذ حذرنا ونستعد لعدونا ، ونحترز منه بعلمنا ، بالطريق التي يأتي منها ، ومداخله التي ينفذ منها ، فله تعالى علينا بذلك ، أكمل نعمة . * ( قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) * أي : قال الله لإبليس لما قال ما قال : * ( اخرج منها ) * خروج صغار واحتقار ، لا خروج إكرام بل * ( مذؤوما ) * أي : مذموما * ( مدحورا ) * مبعدا عن الله ، وعن رحمته ، وعن كل خير . * ( لأملأن جهنم منكم ) * أي : منك وممن تبعك منهم * ( أجمعين ) * وهذا قسم من الله تعالى ، أن النار دار العصاة ، لا بد أن يملأها من إبليس وأتباعه من الجن والإنس . * ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا ه ذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن ه ذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ثم حذر آدم شره وفتنته فقال : * ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) * إلى قوله : * ( من الخاسرين ) * . أي أمر الله تعالى ، آدم وزوجته حواء ، التي أنعم الله بها عليه ، ليسكن إليها ، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا ، إلا أنه عين لهما شجرة ، ونهاهما عن أكلها ، والله أعلم ، ما هي ، وليس في تعيينها فائدة لنا . وحرم عليهما أكلها ، بدليل قوله : * ( فتكونا من الظالمين ) * فلم يزالا ممتثلين لأمر الله ، حتى تغلغل إليهما ، عدوهما إبليس بمكره ، فوسوس لهما وسوسة ، خدعهما بها ، وموه عليهما وقال : * ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ) * أي : من جنس الملائكة * ( أو تكونا من الخالدين ) * كما قال في الآية الأخرى : * ( هل أدلك على شجرة الخلق وملك لا يبلى ) * . ومع قوله هذا ، أقسم لهما بالله : * ( إني لكما لمن الناصحين ) * أي : من جملة الناصحين ، حيث قلت لكما ، ما قلت . فاغترا بذلك ، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل . * ( فدلاهما ) * أي : أنزلهما عن رتبتهما العالية ، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها ، فأقدما على أكلها . * ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) * أي : ظهرت عورة كل منهما بعدما كانت مستورة ، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال ، أثر في اللباس الظاهر ، حتى انخلع ، فظهرت عوراتهما ، ولما ظهرت عوراتهما ، خجلا ، وجعلا يخصفان على عوراتهما ، من أوراق شجر الجنة ، ليستترا بذلك . * ( وناداهما ربهما ) * وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا : * ( ألم أنهكما عن تلك الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) * فلم اقترفتما المنهي ، وأطعتما عدوكما ؟ فحينئذ ، من الله عليهما بالتوبة وقبولها ، فاعترفا بالذنب ، وسألا الله مغفرته فقالا : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ، أي : قد فعلنا الذنب ، الذي نهيتنا عنه ، وأضررنا بأنفسنا ، باقتراف الذنب ، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا ، بمحو أثر الذنب وعقوبته ، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا . فغفر الله لهما ذلك * ( وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) * . هذا ، وإبليس مستمر على طغيانه ، غير مقلع عن عصيانه ، فمن أشبه آدم بالاعتراف ، وسؤال المغفرة والندم ، والإقلاع إذا صدرت منه الذنوب اجتباه ربه وهداه . ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب ، لا يزال يزداد من المعاصي فإنه لا يزداد من الله إلا بعدا . * ( قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) * * ( قال اهبطوا ) * أي : قال الله ، مخاطبا لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل إلى السماء ، ثم هبطوا جميعا إلى الأرض . وكرر الأمر لإبليس ، تبعا لهما ، ليعلم أنهم قرناء أبدا ، لأن إبليس ، لا يفارق الإنسان ، بل يلازمه كل الملازمة ، ويبذل كل جهده ، في إضلال بني آدم . وجملة * ( بعضكم لبعض عدو ) * في موضع نصب على الحال ، من الضمير الذي هو الواو ، في * ( اهبطوا ) * . وخلاصة المعنى أن الله قال لهما وللشيطان : اهبطوا جميعا من الجنة إلى الأرض متعادين ، ولكم في الأرض ، استقرار ، وموضع استقرار ، تتمتعون وتنتفعون ، إلى حين انقضاء آجالكم . * ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون * يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) * أي : لما أهبط الله آدم وزوجته وذريتهما إلى الأرض ، أخبرهما بحال إقامتهم فيها ، وأنه جعل لهم فيها حياة ، يتلوها الموت ، مشحونة بالامتحان والابتلاء ، وأنهم لا يزالون فيها ، يرسل إليهم رسله ، وينزل عليهم كتبه ، حتى يأتيهم الموت ، فيدفنون فيها . ثم إذا استكملوا ، بعثهم الله ، وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار حقيقة ، التي هي دار المقامة . ثم امتن عليهم بما يسر لهم ، من اللباس الضروري ، واللباس الذي