عبد الرحمن بن ناصر السعدي

275

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم ساء ما يحكمون * وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون * وقالوا ه ذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون * وقالوا ما في بطون ه ذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم * قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) * يخبر تعالى ، عما عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم ، من سفاهة العقل ، وخفة الأحلام ، والجهل البليغ . وعدد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم ، لينبه بذلك ، على ضلالهم ، والحذر منهم ، وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق ، الذي جاء به الرسول ، لا تقدح فيه أصلا ، فإنهم لا أهلية لهم في مقابلة الحق . فذكر من ذلك أنهم * ( جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) * ولشركائهم من ذلك نصيبا . والحال أن الله تعالى ، هو الذي ذرأه للعباد ، وأوجده رزقا ، فجمعوا بين محذورين محظورين بل ثلاثة محاذير . منتهم على الله ، في جعلهم له نصيبا ، مع اعتقادهم أن ذلك منهم ، تبرع . وإشراك الشركاء ، الذين لم يرزقوهم ، ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك . وحكمهم الجائر ، في أن ما كان لله ، لم يبالوا به ، ولم يهتموا ، ولو كان واصلا إلى الشركاء . وما كان لشركائهم اعتنوا به ، واحتفظوا به ، ولم يصل إلى الله منه شيء . وذلك أنهم إذا حصل لهم من زروعهم وثمارهم وأنعامهم ، التي أوجدها الله لهم شيء ، جعلوه قسمين : قسما قالوا : هذا لله بقولهم وزعمهم ، وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه ، ولا يقبل عمل من أشرك به . وقسما ، جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد . فإن وصل شيء مما جعلوه لله ، واختلط بما جعلوه لغيره ، لم يبالوا بذلك . وقالوا : الله غني عنه ، فلا يردونه . وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله ، ردوه إلى محله . وقالوا : إنها فقيرة ، لا بد من رد نصيبها . فهل أسوأ من هذا الحكم . وأظلم ؟ حيث جعلوا ما للمخلوق ، يجتهد فيه وينصح ، ويحفظ ، أكثر مما يفعل بحق الله . ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة ، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من أشرك معي شيئا تركته وشركه ) . وأن معنى الآية أن ما جعلوه ، وتقربوا به لأوثانهم ، فهو تقرب خالص لغير الله ، ليس لله منه شيء . وما جعلوه لله على زعمهم فإنه لا يصل إليه لكونه شركا ، بل يكون حظ الشركاء والأنداد ، لأن الله غني عنه ، لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق . ومن سفه المشركين وضلالهم ، أنه زين لكثير من المشركين شركاؤهم أي : رؤوساؤهم وشياطينهم قتل أولادهم ، وهو : الوأد ، الذين يدفنون أولادهم وهم أحياء خشية الافتقار ، والإناث خشية العار . وكل هذا من خدع الشياطين ، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك ، ويلبسوا عليهم دينهم ، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح . ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم ، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة . . ولو شاء الله أن يمنعهم ، ويحول بينهم وبين هذه الأفعال ، ويمنع أولادهم عن قتل الأبوين لهم ، ما فعلوه . ولكن اقتضت حكمته ، للتخلية بينهم وبين أفعالهم ، استدراجا منه لهم ، وإمهالا لهم ، وعدم مبالاة بما هم عليه ، ولهذا قال : * ( فذرهم وما يفترون ) * أي : دعهم مع كذبهم وافترائهم ، ولا تحزن عليهم ، فإنهم لن يضروا الله شيئا . ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما ، وجعلها رزقا ورحمة ، يتمتعون بها ، وينتفعون ، قد اخترعوا فيها بدعا وأقوالا ، من تلقاء أنفسهم . فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها : * ( هذه أنعام وحرث حجر ) * أي : محرم * ( لا يطعمها إلا من نشاء ) * أي : لا يجوز أن يطعمه أحد ، إلا من أردنا أن نطعمه ، أو وصفناه بوصف من عندنا . وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة ، إلا أهويتهم ، وآراءهم الفاسدة . وأنعام ليست محرمة من كل وجه ، بل يحرمون ظهورها ، أي : بالركوب والحمل عليها ، ويحمون ظهرها ، ويسمونها الحام . وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ، بل يذكرون اسم أصنامهم ، وما كانوا يعبدون من دون الله عليها ، وينسبون تلك الأفعال إلى الله ، وهم كذبة فجار في ذلك . * ( سبجزيهم بما كانوا يفترون ) * على الله ، من إحلال الشرك ، وتحريم الحلال ، من الأكل ، والمنافع . ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون