عبد الرحمن بن ناصر السعدي

266

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم * وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون * وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) * يخبر تعالى ، عن كماله ، وعظمة سلطانه ، وقوة اقتداره ، وسعة رحمته ، وعموم كرمه ، وشدة عنايته بخلقه ، فقال : * ( إن الله فالق الحب ) * شامل لكل الحبوب ، التي يباشر الناس زرعها ، والتي لا يباشرونها ، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار . فيفلق الحبوب عن الزروع والنباتات ، على اختلاف أنواعها ، وأشكالها ، ومنافعها . ويفلق النوى عن الأشجار ، من النخيل ، والفواكه ، وغير ذلك . فينتفع بها الخلق ، من الآدميين والأنعام ، والدواب . ويرتعون فيما فلق الله ، من الحب ، والنوى . ويقتاتون ، وينتفعون بجميع أنواع المنافع ، التي جعلها الله في ذلك . ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول ، ويذهل الفحول . ويريهم من بدائع صنعته ، وكمال حكمته ، ما به يعرفونه ويوحدونه ، ويعلمون أنه هو الحق ، وأن عبادة ما سواه ، باطلة . * ( يخرج الحي من الميت ) * كما يخرج من المني حيوانا ، ومن البيضة فرخا ، ومن الحب والنوى ، زرعا وشجرا . * ( ومخرج الميت ) * وهو الذي لا نمو فيه ، أو لا روح * ( من الحي ) * . كما يخرج من الأشجار والزروع ، النوى ، والحب ، ويخرج من الطائر بيضا ونحو ذلك . * ( ذلكم ) * الذي فعل ما فعل ، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها * ( الله ربكم ) * أي : الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين . وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه ، وغذاهم بكرمه . * ( فأنى تؤفكون ) * أي : فأنى تصرفون ، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه ، إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا ؟ ولما ذكر تعالى ، مادة خلق الأقوات ، ذكر منته بتهيئة المساكن ، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد ، من الضياء ، والظلمة ، وما يترتب على ذلك ، من أنواع المنافع والمصالح فقال : * ( فالق الإصباح ) * أي : كما أنه فالق الحب والنوى ، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي ، الشامل لما على وجه الأرض ، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا ، حتى تذهب ظلمة الليل كلها ، ويخلفها الضياء والنور العام ، الذي يتصرف به الخلق ، في مصالحهم ، ومعايشهم ، ومنافع دينهم ودنياهم . ولما كان الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة ، التي لا تتم إلا بوجود النهار والنور * ( جعل ) * ( الله ) * ( الليل سكنا ) * يسكن فيه الآدميون إلى دورهم ومنامهم ، والأنعام إلى مأواها ، والطيور إلى أوكارها ، فتأخذ نصيبها من الراحة . ثم يزيل الله ذلك ، بالضياء ، وهكذا أبدا إلى يوم القيامة . * ( و ) * جعل تعالى * ( الشمس والقمر حسبانا ) * بهما تعرف الأزمنة والأوقات ، فتنضبط بذلك أوقات العبادات ، وآجال المعاملات ، ويعرف بها مدة ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر ، وتناوبهما ، واختلافهما لما عرف ذلك ، عامة الناس ، واشتركوا في علمه . بل كان لا يعرفه ، إلا أفراد من الناس ، بعد الاجتهاد ، وبذلك يفوت من المصالح الضرورية ، ما يفوت . * ( ذلك ) * التقدير المذكور * ( تقدير العزيز العليم ) * الذي من عزته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة ، فجرت مذللة مسخرة بأمره ، بحيث لا تتعدى ما حده الله لها ، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر . * ( العليم ) * الذي أحاط علمه ، بالظواهر والبواطن ، والأوائل والأواخر . ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه ، تسخير هذه المخلوقات العظيمة ، على تقدير ، ونظام بديع ، تحيرت العقول ، في حسنه ، وكماله ، وموافقته للمصالح والحكم . * ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) * حين تشتبه عليكم المسالك ، ويتحير في سيره السالك . فجعل الله النجوم ، هداية للخلق إلى السبيل ، التي يحتاجون إلى سلوكها لمصالحهم ، وتجاراتهم ، وأسفارهم . منها : نجوم لا تزال ترى ، ولا تسير عن محلها . ومنها : ما هو مستمر السير ، يعرف سيره أهل المعرفة بذلك ، ويعرفون به الجهات والأوقات . ودلت هذه الآية ونحوها ، على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالها الذي يسمى علم التسيير ، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن ، إلا بذلك . * ( قد فصلنا الآيات ) * أي : بيناها ، ووضحناها ، وميزنا كل جنس ونوع منها عن الآخر ، بحيث صارت آيات الله ، بادية ظاهرة . * ( لقوم يعلمون ) * أي : لأهل العلم والمعرفة ، فإنهم الذين يوجه إليهم الخطاب ، ويطلب منهم الجواب . بخلاف أهل الجهل والجفاء ، المعرضين عن آيات الله ، وعن العلم الذي جاءت به الرسل ، فإن البيان لا يفيدهم شيئا ، والتفصيل ، لا يزيل عنهم ملتبسا ، والإيضاح لا يكشف لهم مشكلا . * ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ) * وهو : آدم عليه السلام . أنشأ الله منه هذا العنصر الآدمي ؛ الذي قد ملأ الأرض . ولم يزل في زيادة ونمو ، الذي قد تفاوت في أخلاقه وخلقه ، وأوصافه ، تفاوتا لا يمكن ضبطه ، ولا يدرك وصفه . وجعل الله لهم مستقرا ، أي منتهى ينتهون إليه ، وغاية يساقون إليها وهي : دار القرار ، التي لا مستقر وراءها ، ولا نهاية فوقها . فهذه الدار ، هي التي خلق الخلق لسكناها ، وأوجدوا في الدنيا ، ليسعوا في أسبابها ، التي تنشأ عليها وتعمر بها . وأودعهم الله في أصلاب آبائهم ، وأرحام أمهاتهم ، ثم في دار الدنيا ، ثم في البرزخ . كل ذلك ، على وجه الوديعة ، التي لا تستقر