عبد الرحمن بن ناصر السعدي

263

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ا تخافون أنكم أشركتم بالله ، ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) * أي : إلا بمجرد اتباع الهوى . * ( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) * . قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين : * ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ) * أي : يخلطوا * ( إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) * الأمن من المخاوف ، والعذاب والشقاء ، والهداية إلى الصراط المستقيم . فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا ، لا بشرك ، ولا بمعاصي ، حصل لهم الأمن التام ، والهداية التامة . وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده ، ولكنهم يعملون السيئات ، حصل لهم أصل الهداية ، وأصل الأمن ، وإن لم يحصل لهم كمالها . ومفهوم الآية الكريمة ، أن الذين لم يحصل لهم الأمران ، لم يحصل لهم هداية ، ولا أمن ، بل حظهم الضلال والشقاء . ولما حكم لإبراهيم عليه السلام ، بما بين به من البراهين القاطعة قال : * ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) * أي : علا بها عليهم ، وحاجهم بها . * ( نرفع درجات من نشاء ) * كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة ، فإن العلم يرفع الله به صاحبه ، فوق العباد درجات . خصوصا ، العالم العامل ، المعلم ، فإنه يجعله الله إماما للناس ، بحسب حاله . ترمق أفعاله ، وتقتفى آثاره ، ويستضاء بنوره ، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره . قال تعالى : * ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) * . * ( إن ربك حكيم عليم ) * فلا يضع العلم والحكمة ، إلا في المحل اللائق بهما ، وهو أعلم بذلك المحل ، وبما ينبغي له . * ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أول ئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ه ؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين * أول ئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) * لما ذكر الله عبده وخليله ، إبراهيم عليه السلام ، وذكر ما من الله عليه به ، من العلم ، والدعوة ، والصبر ، ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة ، والنسل الطيب . وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله ، وأعظم بهذه المنقبة والكرامة الجسيمة ، التي لا يدرك لها نظير فقال : * ( ووهبنا له إسحق ويعقوب ) * ابنه ، الذي هو إسرائيل ، أبو الشعب الذي فضله الله على العالمين . * ( كلا ) * ( منهما ) * ( هدينا ) * الصراط المستقيم ، في علمه وعمله . * ( ونوحا هديناه ) * * ( من قبل ) * وهدايته أعلى أنواع الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم ؛ وهم أولو العزم من الرسل ، الذي هو أحدهم . * ( ومن ذريته ) * يحتمل أن الضمير عائد إلى نوح ، لأنه أقرب مذكور ، لأن الله ذكر مع من ذكر ، لوطا ، وهو من ذرية نوح ، لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه . ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم لأن السياق في مدحه والثناء عليه . ولوط وإن لم يكن من ذريته فإنه ممن آمن على يده . فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك ، أبلغ من كونه مجرد ابن له . * ( داود وسليمان ) * بن داود * ( وأيوب ويوسف ) * بن يعقوب . * ( وموسى وهارون ) * ابني عمران . * ( وكذلك ) * كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل ، لأنه أحسن في عبادة ربه ، وأحسن في نفع الخلق كذلك . * ( نجزي المحسنين ) * بأن نجعل لهم ، من الثناء الصدق ، والذرية الصالحة ، بحسب إحسانهم . * ( وزكريا ويحيى ) * ( ابنه ) * ( وعيسى ) * ( ابن مريم ) * ( وإلياس كل ) * ( هؤلاء ) * ( من الصالحين ) * في أخلاقهم وأعمالهم ، وعلومهم ، بل هم سادة الصالحين وقادتهم ، وأئمتهم . * ( وإسماعيل ) * بن إبراهيم أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب ، وهو الشعب العربي ، ووالد سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم . * ( ويونس ) * بن متى * ( ولوطا ) * بن هاران ، أخي إبراهيم . * ( وكلا ) * من هؤلاء الأنبياء والمرسلين * ( فضلنا على العالمين ) * لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله : * ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) * . فهؤلاء من الدرجة العليا ، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق . فالرسل الذين قصهم الله