عبد الرحمن بن ناصر السعدي
240
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إل ه إلا إل ه واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم * ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) * يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم : * ( إن الله هو المسيح ابن مريم ) * . بشبهة أنه خرج من أم بلا أب ، وخالف المعهود من الخلقة الإلهية . والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى ، وقال لهم : * ( يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ) * فأثبت لنفسه العبودية التامة ، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق . * ( إنه من يشرك بالله ) * أحدا من المخلوقين ، لا عيسى ولا غيره . * ( فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) * وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق ، وصرف ما خلقه الله له وهو العبادة الخالصة لغير من هي له ، فاستحق أن يخلد في النار . * ( وما للظالمين من أنصار ) * ينقذونهم من عذاب الله ، أو يرفعون عنهم بعض ما نزل بهم . * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) * وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم . زعموا أن الله ثالث ثلاثة ، الله ، وعيسى ، ومريم ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا . وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى . كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء ، والعقيدة القبيحة ؟ كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوق ؟ كيف خفي عليهم رب العالمين ؟ قال تعالى ردا عليهم وعلى أشباههم : * ( وما من إله إلا إله واحد ) * متصف بكل صفة كمال ، منزه عن كل نقص ، منفرد بالخلق والتدبير ما بالخلق من نعمة إلا منه . فكيف يجعل معه إله غيره ؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم توعدهم بقوله : * ( وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم ، عذاب أليم ) * . ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم ، وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال : * ( أفلا يتوبون إلى الله ) * أي : يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد ، وبأن عيسى عبد الله ورسوله عما كانوا يقولونه . * ( ويستغفرونه ) * عن ما صدر منهم * ( والله غفور رحيم ) * أي : يغفر ذنوب التائبين ، ولو بلغت عنان السماء ، ويرحمهم ، بقبول توبتهم ، وتبديل سيئاتهم حسنات . وصدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله : * ( أفلا يتوبون إلى الله ) * . ثم ذكر حقيقة المسيح وأمه ، الذي هو الحق ، فقال : * ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) * أي : هذا غايته ، ومنتهى أمره ، أنه من عباد الله المرسلين ، الذين ليس لهم من الأمر ، ولا من التشريع ، إلا ما أرسلهم به الله ، وهو من جنس الرسل قبله ، لا مزية له عليهم ، تخرجه عن البشرية ، إلى مرتبة الربوبية . * ( وأمه ) * ( مريم ) * ( صديقة ) * أي : هذا أيضا غايتها ، أن كانت من الصديقين ، الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء . والصديقية ، هي : العلم النافع ، المثمر لليقين ، والعمل الصالح . وهذا دليل على أن مريم ، لم تكن نبية ، بل أعلى أحوالها ، الصديقية ، وكفى بذلك فضلا وشرفا . وكذلك سائر النساء ، لم يكن منهن نبية ، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين . في الرجال ، كما قال تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) * . فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله ، وأمه صديقة ، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله ؟ وقوله : * ( كانا يأكلان الطعام ) * دليل ظاهر ، على أنهما عبدان فقيران ، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب ، فلو كانا إلهين ، لاستغنيا عن الطعام والشراب ، ولم يحتاجا إلى شيء ، فإن الإله ، هو الغني الحميد . ولما بين تعالى البرهان قال : * ( انظر كيف نبين لهم الآيات ) * الموضحة للحق ، الكاشفة لليقين ، ومع هذا ، لا تفيد فيهم شيئا ، بل لا يزالون على إفكهم ، وكذبهم ، وافترائهم . وذلك ظلم وعناد منهم . * ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ) * أي : * ( قل ) * لهم أيها الرسول : * ( أتعبدون من دون الله ) * من المخلوقين الفقراء المحتاجين . * ( من لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) * وتدعون من انفرد بالضر والنفع ، والعطاء والمنع . * ( والله هو السميع ) * لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . * ( العليم ) * بالظواهر والبواطن ، والغيب والشهادة ، والأمور الماضية والمستقبلة . فالكامل تعالى ، الذي هذه أوصافه ، هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة ، ويخلص له الدين . * ( قل ي أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل * لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن