عبد الرحمن بن ناصر السعدي

220

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

بالميتة : ما فقدت حياته بغير ذكاة شرعية ، فإنها تحرم ، لضررها ، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها ، المضر بآكلها . وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها ، فتضر بالآكل . ويستثنى من ذلك ، ميتة الجراد ، والسمك فإنه حلال . * ( والدم ) * أي : المسفوح ، كما قيد في الآية الأخرى . * ( ولحم الخنزير ) * وذلك شامل لجميع أجزائه . وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع ، لأن طائفة من أهل الكتاب ، من النصارى ، يزعمون أن الله أحله لهم . أي : فلا تغتروا بهم ، بل هو محرم من جملة الخبائث . * ( وما أهل لغير الله به ) * أي : ذكر عليه اسم غير الله ، من الأصنام ، والأولياء ، والكواكب ، وغير ذلك من المخلوقين . فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة ، فذكر اسم غيره عليها ، يفيدها خبثا معنويا ، لأنه شرك بالله تعالى . * ( والمنخنقة ) * أي : الميتة بخنق ، بيد ، أو حبل ، أو إدخال رأسها بشيء ضيق ، فتعجز عن إخراجه ، حتى تموت . * ( والموقوذة ) * أي : الميتة بسبب الضرب ، بعصا ، أو حصى ، أو خشبة ، أو هدم شيء عليها ، بقصد ، أو بغير قصد . * ( والمتردية ) * أي : الساقطة من علو ، كجبل ، أو جدار ، أو سطح ونحوه ، فتموت بذلك . * ( والنطيحة ) * وهي التي تنطحها غيرها فتموت . * ( وما أكل السبع ) * من ذئب ، أو أسد ، أو نمر ، أو من الطيور التي تفترس الصيود ، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع ، فإنها لا تحل . وقوله : * ( إلا ما ذكيتم ) * راجع لهذه المسائل ، من منخنقة ، وموقوذة ، ومتردية ، ونطيحة ، وأكيلة سبع ، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها . ولهذا قال الفقهاء : ( لو أبان السبع أو غيره ، حشوتها ، أو قطع حلقومها ، كان وجود حياتها ، كعدمها ، لعدم فائدة الذكاة فيها ) . وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة ، فإذا ذكاها وفيها حياة ، حلت ، ولو كانت مبانة الحشوة ، وهو ظاهر الآية الكريمة . * ( وأن تستقسموا بالأزلام ) * أي : وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام . ومعنى الاستقسام : طلب ما يقسم لكم ، ويقدر بها . وهي قداح ثلاثة ، كانت تستعمل في الجاهلية ، مكتوب على أحدها ( افعل ) وعلى الثاني ( لا تفعل ) والثالث ( غفل ) لا كتابة فيه . فإذا هم أحدهم بسفر ، أو عرس أو نحوهما ، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم ، ثم أخرج واحدا منها . فإن خرج المكتوب عليه ( افعل ) مضى في أمره . وإن ظهر المكتوب عليه ( لا تفعل ) لم يفعل ولم يمض في شأنه . وإن ظهر الآخر ، الذي لا شيء عليه ، أعادها حتى يخرج أحد القدحين ، فيعمل به . فحرم الله عليهم الذي في هذه الصورة ، وما يشبهها ، وعوضهم عنه ، بالاستخارة لربهم ، في جميع أمورهم . * ( ذلكم فسق ) * الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات ، التي حرمها الله ، صيانة لعباده ، وأنها فسق ، أي : خروج عن طاعته ، إلى طاعة الشيطان . ثم امتن على عباده بقوله : * ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) * الآية . واليوم المشار إليه ، يوم عرفة ، إذ أتم الله دينه ، ونصر عبده ورسوله ، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا ، بعدما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم ، طامعين في ذلك . فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره ، يئسوا كل اليأس من المؤمنين ، أن يرجعوا إلى دينهم ، وصاروا يخافون منهم ويخشون . ولهذا في هذه السنة ، التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع لم يحجج فيها مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . ولهذا قال : * ( فلا تخشوهم واخشون ) * أي : فلا تخشوا المشركين ، واخشوا الله ، الذي نصركم عليهم ، وخذلهم ، ورد كيدهم في نحورهم . * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * بتمام النصر ، وتكميل الشرائع ، الظاهرة والباطنة ، الأصول والفروع . ولهذا كان الكتاب والسنة ، كافيين كل الكفاية ، في أحكام الدين ، وأصوله وفروعه . فكل متكلف يزعم ، أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم ، إلى علوم ، غير علم الكتاب والسنة ، من علم الكلام وغيره ، فهو جاهل ، مبطل في دعواه ، قد زعم أن الدين لا يكمل ، إلا بما قاله ، ودعا إليه . وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله . * ( وأتممت عليكم نعمتي ) * الظاهرة والباطنة * ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) * أي : اخترته واصطفيته لكم دينا ، كما ارتضيتكم له . فقوموا به ، شكرا لربكم ، واحمدوا الذي من عليكم ، بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها . * ( فمن اضطر ) * أي : ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات