عبد الرحمن بن ناصر السعدي
198
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
قصر العدد فقط . أو الخوف وحده ، جاز قصر الصفة . ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله : * ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) * أي : صليت بهم صلاة تقيمها ، وتتم ما يجب فيها ، ويلزم فعلهم ما ينبغي لك ولهم ، فعله . ثم فسر ذلك بقوله : * ( فلتقم طائفة منهم معك ) * أي : وطائفة قائمة بإزاء العدو ، كما يدل على ذلك ما يأتي : * ( فإذا سجدوا ) * أي : الذين معك أي : أكملوا صلاتهم ، وعبر عن الصلاة بالسجود ، ليدل على فضل السجود ، وأنه ركن من أركانها ، بل هو أعظم أركانها . * ( فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ) * وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو * ( فليصلوا معك ) * . ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى ، منتظرا للطائفة الثانية ، فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم ، حتى يكملوا صلاتهم ، ثم يسلم بهم ، وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف . فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة ، كلها جائزة . وهذه الآية ، تدل على أن صلاة الجماعة ، فرض عين من وجهين : أحدهما : أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة ، وقت اشتداد الخوف من الأعداء ، وحذر مهاجمتهم . فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة ، فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن ، من باب أولى وأحرى . والثاني : أن المصلين صلاة الخوف ، يتركون فيه كثيرا من الشروط واللوازم ، ويعفى فيها ، عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها ، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة ، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب . فلولا وجوب الجماعة ، لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها . وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل ، أن يصلوا بإمام واحد . ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء ، لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة ، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين ، واتفاقهم ، وعدم تفرق كلمتهم ، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم . وأمر تعالى ، بأخذ السلاح ، والحذر في صلاة الخوف . وهذا ، وإن كان فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة ، فإن فيه مصلحة راجحة ، وهو الجمع بين الصلاة والجهاد ، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص ، على الإيقاع بالمسلمين ، والميل عليهم وعلى أمتعتهم ولهذا قال تعالى : * ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) * . ثم إن الله عذر من له عذر ، من مرض ، أو مطر ، أن يضع سلاحه ، ولكن مع أخذ الحذر فقال : * ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) * . ومن العذاب المهين ، ما أمر الله به حزبه المؤمنين ، وأنصار دينه الموحدين ، من قتلهم وقتالهم ، حيثما ثقفوهم ، ويأخذوهم ، ويحصروهم ، ويقعدوا لهم كل مرصد ، ويحذروهم في جميع الأحوال ، ولا يغفلوا عنهم ، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم . فلله أعظم حمد وثناء ، وعلى ما من به على المؤمنين ، وأيدهم بمعونته وتعاليمه ، التي لو سلكوها على وجه الكمال ، لم تهزم لهم راية ، ولم يظهر عليهم عدو ، في وقت من الأوقات . وقوله : * ( فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) * يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام ، لأنه أولا ، ذكر أن الطائفة تقوم معه ، فأخبر عن مصاحبتهم له . ثم أضاف الفعل بعد إليهم دون الرسول ، فدل ذلك على ما ذكرناه . وفي قوله : * ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) * دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا . وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة ، في ركعتهم الأولى ، وحكما في ركعتهم الأخيرة . فيستلزم ذلك ، انتظار الإمام إياهم ، حتى يكملوا صلاتهم . ثم يسلم بهم ، وهذا ظاهر للمتأمل . * ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) * أي : فإذا فرغتم من صلاتكم ، صلاة الخوف وغيرها ، فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم . ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد . منها : أن القلب صلاحه وفلاحه ، وسعادته ، بالإنابة إلى الله تعالى ، في المحبة ، وامتلاء القلب من ذكره ، والثناء عليه . وأعظم ما يحصل به هذا المقصود ، الصلاة ، التي حقيقتها : أنها صلة بين العبد وبين ربه . ومنها : أن فيها من حقائق الإيمان ، ومعارف الإيقان ، ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة . ومن المعلوم أن صلاة الخوف ، لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب ، والبدن ، والخوف ، فأمر بجبرها بالذكر بعدها . ومنها : أن الخوف ، يوجب قلق القلب وخوفه ، وهو مظنة لضعفه . وإذا ضعف القلب ، ضعف البدن عن مقاومة العدو . والذكر لله والإكثار منه