عبد الرحمن بن ناصر السعدي
193
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
بعضكم رقاب بعض ) . فعلم أن القتل من الكفر العملي ، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله . ولما كان قوله : * ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) * لفظا عاما ، لجميع الأحوال ، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه ، بوجه من الوجوه ، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال : * ( إلا خطأ ) * فإن المخطىء الذي لا يقصد القتل ، غير آثم ، ولا مجترىء على محارم الله . ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا ، وصورته كافية في قبحه ، وإن لم يقصده أمر تعالى بالكفارة والدية فقال : * ( ومن قتل مؤمنا خطأ ) * سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا ، صغيرا أو كبيرا ، عاقلا أو مجنونا ، مسلما أو كافرا ، كما يفيده لفظ ( من ) الدالة على العموم ، وهذا من أسرار الإتيان ب ( من ) في هذا الموضع . فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول فإن قتله ، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما شمله ( من ) . وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ، كما يفيده التنكير في سياق الشرط . فإن على القاتل * ( تحرير رقبة مؤمنة ) * كفارة لذلك ، تكون في ماله ، ويشمل ذلك الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، والصحيح والمعيب ، في قول بعض العلماء . ولكن الحكمة ، تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة . لأن المقصود بالعتق ، نفع العتيق ، وملكه منافع نفسه . فإذا كان يضيع بعتقه ، وبقاؤه في الرق أنفع له ، فإنه لا يجزئ عتقه . مع أن في قوله : * ( تحرير رقبة ) * ما يدل على ذلك . فإن التحرير : تخليص من استحقت منافعه لغيره ، أن تكون له . فإذا لم يكن فيه منافع ، لم يتصور وجود التحرير . فتأمل ذلك ، فإنه واضح . وأما الدية ، فإنها تجب على عاقلة القاتل ، في الخطأ ، وشبه العمد . * ( مسلمة إلى أهله ) * جبرا لقلوبهم . والمراد بأهله هنا ، هم ورثته ، فإن الورثة يرثون ما ترك الميت . فالدية داخلة فيما ترك ، وللذرية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه . وقوله : * ( إلا أن يصدقوا ) * أي : يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية ، فإنها تسقط . وفي ذلك حث لهم على العفو ، لأن الله سماها صدقة ، والصدقة مطلوبة في كل وقت . * ( فإن كان ) * المقتول * ( من قوم عدو لكم ) * أي : من كفار حربيين * ( وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) * أي : وليس عليكم لأهله دية ، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم . * ( وإن كان ) * المقتول * ( من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) * وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق . * ( فمن لم يجد ) * رقبة ولا ثمنها ، بأن كان معسرا بذلك ، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية ، شيء يفي بالرقبة . * ( فصيام شهرين متتابعين ) * أي : لا يفطر بينهما من غير عذر . فإن أفطر لعذر ، فإن العذر لا يقطع التتابع ، كالمرض ، والحيض ونحوهما . وإن كان لغير عذر ، انقطع التتابع ، ووجب عليه استئناف الصوم . * ( توبة من الله ) * أي : هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل ، توبة من الله على عباده ، ورحمة بهم ، وتكفيرا لما عساه أن يحصل منهم ، من تقصير ، وعدم احتراز ، كما هو الواقع كثيرا للقاتل خطأ . * ( وكان الله عليما حكيما ) * أي : كامل العلم ، كامل الحكمة ، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ، ولا أكبر ، في أي وقت كان ، وأي محل كان . ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء . بل كل ما خلقه وشرعه ، فهو متضمن لغاية الحكمة . ومن علمه وحكمته ، أن أوجب على القاتل ، كفارة مناسبة لما صدر منه . فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة ، وأخرجها من الوجود إلى العدم . فناسب أن يعتق رقبة ، ويخرجها من رق العبودية للخلق ، إلى الحرية التامة . فإن لم يجد هذه الرقبة ، صام شهرين متتابعين . فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية ، إلى التعبد لله تعالى بتركها ، تقربا إلى الله . ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ، ووجوب التتابع فيها ، ولم يشرع الإطعام ، في هذه المواضع ، لعدم المناسبة . بخلاف الظهار ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ومن حكمته ، أن أوجب في القتل ، الدية ، ولو كان خطأ ، لتكون رادعة ، وكافة عن كثير من القتل ، باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك . ومن حكمته أن أوجبت على العاقلة في قتل الخطأ ، بإجماع العلماء ، لكون القاتل ، لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة . فناسب أن يقوم بذلك ، من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة ، والمساعدة على تحصيل المصالح ، وكف المفاسد . ولعل ذلك من أسباب منعهم ، لمن يعقلون عنه من القتل ، حذار تحميلهم . ويخف عليهم بسبب توزيعه عليهم ، بقدر أحوالهم وطاقتهم . وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين . ومن حكمته وعلمه ، أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم ، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل . * ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) * تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن ، وأن القتل من الكفر العملي . وذكر هنا ، وعيد القاتل عمدا ، وعيدا ترجف له القلوب ، وتنصدع له الأفئدة ، وينزعج منه أولو العقل . فلم يرد في أنواع الكبائر ، أعظم من هذا الوعيد ، بل ولا مثله . ألا : وهو