عبد الرحمن بن ناصر السعدي
188
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
عليهم ؛ ويبدأ بالأهم ، والأسهل فالأسهل . ومنها : أنه لو فرض عليهم القتال مع قلة عددهم وعددهم ، وكثرة أعدائهم لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام . فروعي جانب المصلحة العظمى ، على ما دونها ، ولغير ذلك من الحكم . وكان بعض المؤمنين ، يودوون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال ، غير اللائق فيها ذلك . وإنما اللائق فيها ، القيام بما أمروا بها في ذلك الوقت ، من التوحيد ، والصلاة ، والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى : * ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) * . فلما هاجروا إلى المدينة ، وقوي الإسلام ، كتب عليهم القتال ، في وقته المناسب لذلك . فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك ، خوفا من الناس ، وضعفا وخورا : * ( ربنا لم كتبت علينا القتال ) * ؟ وفي هذا تضجرهم ، واعتراضهم على الله . وكان الذي ينبغي لهم ، ضد هذه الحال التسليم لأمر الله ، والصبر على أوامره . فعكسوا الأمر المطلوب منهم ، فقالوا : * ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) * أي : هلا أخرت فرض القتال ، مدة متأخرة عن الوقت الحاضر وهذه الحال ، كثيرا ما تعرض لمن هو غير رزين ، واستعجل في الأمور قبل وقتها . فالغالب عليه ، أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ، ولا ينوء بحملها ، بل يكون قليل الصبر . ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال ، التي فيها التخلف عن القتال فقال : * ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) * أي : التمتع بلذات الدنيا وراحتها ، قليل . فتحتمل الأثقال في طاعة الله ، في المدة القصيرة ، مما يسهل على النفوس ويخف عليها . لأنها ، إذا علمت أن المشقة التي تنالها ، لا يطول لبثها ، هان عليها ذلك . فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة ، وأن الآخرة خير منها ، في ذاتها ، ولذاتها ، وزمانها : فذاتها كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه ( أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) . ولذاتها ، صافية عن المكدرات ، بل كل ما خطر بالبال ، أو دار في الفكر ، من تصور لذة فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى : * ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) * . وقال الله على لسان نبيه : ( أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ) . وأما لذات الدنيا ، فإنها مشوبة بأنواع التنغيص ، الذي لو قوبل بين لذاتها ، وما يقترن بها من أنواع الآلام ، والهموم والغموم ، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه . وأما زمانها ، فإن الدنيا منقضية ، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير . وأما الآخرة ، فإنها دائمة النعيم ، وأهلها خالدون فيها . فإذا فكر العاقل في هاتين الدارين ، وتصور حقيقتهما حق التصور ، عرف ما هو أحق بالإيثار ، والسعي له ، والاجتهاد لطلبه ، ولهذا قال : * ( والآخرة خير لمن اتقى ) * أي : اتقى الشرك ، وسائر المحرمات . * ( ولا تظلمون فتيلا ) * أي : فسعيكم للدار الآخرة ، ستجدونه كاملا موفرا ، غير منقوص منه شيئا . * ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ه ذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ه ذه من عندك قل كل من عند الله فما له ؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) * ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر ، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئا فقال : * ( أينما تكونوا يدرككم الموت ) * أي : في أي زمان ، وأي مكان . * ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) * أي : قصور منيعة ، ومنازل رفيعة . وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله ، تارة بالترغيب في فضله وثوابه ، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه ، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم ، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك ، وقصرها . ثم قال : * ( وإن تصبهم حسنة ) * الآية . يخبر تعالى ، عن الذين لا يعلمون ، المعرضين عما جاءت به الرسل ، المعارضين لهم : أنهم إذا جاءتهم حسنة ، أي : خصب وكثرة أموال ، وتوفر أولاد وصحة ، قالوا : * ( هذه من عند الله ) * وأنهم ، إن أصابتهم سيئة أي : جدب ، وفقر ، ومرض ، وموت أولاد وأحباب قالوا : * ( هذه من عندك ) * أي : بسبب ما جئتنا به يا محمد . تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تطير أمثالهم برسل الله ، كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم * ( إذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) * . وقال قوم صالح : * ( اطيرنا بك وبمن معك ) * . وقال قوم ياسين لرسلهم : * ( إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) * الآية . فلما تشابهت قلوبهم بالكفر ، تشابهت أقوالهم وأفعالهم . وهكذا كل من نسب حصول الشر ، أو زوال الخير ، لما جاءت به الرسل أو لبعضه ، فهو داخل في هذا الذم الوخيم . قال الله في جوابهم : * ( قل كل ) * أي : من الحسنة والسيئة ، والخير والشر . * ( من عند الله ) * أي : بقضائه