عبد الرحمن بن ناصر السعدي

183

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

وهذا هو الواقع ، ولهذا قال تعالى عنهم : * ( أولئك الذين لعنهم الله ) * أي : طردهم عن رحمته ، وأحل عليهم نقمته . * ( ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) * أي : يتولاه ، ويقوم بمصالحه ، ويحفظه عن المكاره ، هذا غاية الخذلان . * ( أم لهم نصيب من الملك ) * أي : فيفضلون من شاؤوا على من شاؤوا ، بمجرد أهوائهم ، فيكونون شركاء لله في تدبير المملكة . فلو كانوا كذلك ، لشحوا وبخلوا أشد البخل ، ولهذا قال : * ( فإذا ) * أي : لو كان لهم نصيب من الملك * ( لا يؤتون الناس نقيرا ) * أي : شيئا ، ولا قليلا . وهذا وصف لهم ، بشدة البخل ، على تقدير وجود ملكهم ، المشارك لملك الله . وأخرج هذا ، مخرج الاستفهام المتقرر إنكاره ، عند كل أحد . * ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) * أي : هل الحامل لهم على قولهم ، كونهم شركاء لله ، فيفضلون من شاؤوا ؟ أم الحامل لهم على ذلك ، الحسد للرسول وللمؤمنين ، على ما آتاهم الله من فضله ؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب ، على فضل الله . * ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) * وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته ، من النبوة ، والكتاب ، والملك الذي أعطاه من أعطاه ، من أنبيائه ك ( داود ) و ( سليمان ) . فإنعامه لم يزل مستمرا ، على عباده المؤمنين . فكيف ينكرون إنعامه ، بالنبوة ، والنصر ، والملك ، لمحمد صلى الله عليه وسلم ، أفضل الخلق ، وأجلهم ، وأعظمهم معرفة بالله ، وأخشاهم له ؟ * ( فمنهم من آمن به ) * أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فنال بذلك السعادة الدنيوية ، والفلاح الأخروي . * ( ومنهم من صد عنه ) * عنادا ، وبغيا ، وصدا ، فحصل لهم من شقاء الدنيا ومصائبها ، ما هو بعض آثار معاصيهم . * ( وكفى بجهنم سعيرا ) * تسعر على من كفر بالله ، وجحد نبوة أنبيائه ، من اليهود ، والنصارى ، وغيرهم ، من أصناف الكفرة . ولهذا قال : * ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ) * أي : عظيمة الوقود ، شديدة الحرارة . * ( كلما نضجت جلودهم ) * أي : احترقت * ( بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) * أي : ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ . ولما تكرر منهم الكفر والعناد ، وصار وصفا لهم وسجية ؛ كرر ، عليهم العذاب جزاءا وفاقا . ولهذا قال : * ( إن الله كان عزيزا حكيما ) * أي : له العزة العظيمة ، والحكمة في خلقه وأمره ، وثوابه وعقابه . * ( والذين آمنوا ) * أي : بالله ، وما أوجب الإيمان به * ( وعملوا الصالحات ) * من الواجبات والمستحبات * ( سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهارلهم فيها أزواج مطهرة ) * أي : من الأخلاق الرذيلة ، والخلق الذميم ، ومما يكون من نساء الدنيا ، من كل دنس وعيب * ( وندخلهم ظلا ظليلا ) * أي : دائم الظل . * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) * الأمانات ، كل ما ائتمن عليه الإنسان ، وأمر بالقيام به . فأمر الله عباده بأدائها أي : كاملة موفرة ، لا منقوصة ولا مبخوسة ، ولا ممطولا بها . ويدخل في ذلك ، أمانات الولايات والأموال ، والأسرار ؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله . وقد ذكر الفقهاء ، أن من ائتمن أمانة ؛ وجب عليه حفظها ، في حرز مثلها . قالوا : لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها ؛ فوجب ذلك . وفي قوله تعالى : * ( إلى أهلها ) * دلالة على أنها ، لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن ، ووكيله بمنزلته ؛ فلو دفعها لغير ربها ، لم يكن مؤديا لها . * ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) * وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء ، والأموال ، والأعراض ، القليل من ذلك ، والكثير ، على القريب ، والبعيد ، والفاجر ، والولي ، والعدو . والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به ، هو ما شرعه الله على لسان رسوله ، من الحدود والأحكام ، وهذا يستلزم معرفة العدل ، ليحكم به . ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة ، قال : * ( إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) * وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين ، ودفع مضارهما ، لأن شارعها السميع البصير ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ويعلم من مصالح العباد ، ما لا يعلمون . ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله ، وذلك بامتثال أمرهما ، الواجب والمستحب ، واجتناب نهيهما . وأمر بطاعة أولي الأمر ، وهم : الولاة على الناس ، من الأمراء ، والحكام ، والمفتين ، فإنه لا يستقيم للناس ، أمر دينهم ودنياهم ، إلا بطاعتهم والانقياد لهم ، طاعة لله ، ورغبة فيما عنده . ولكن بشرط ، أن لا يأمروا بمعصية الله ، فإن أمروا بذلك ، فلا طاعة لمخلوق ، في