الشنقيطي

11

أضواء البيان

قوله تعالى : * ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) * . وقيل : من الحكمة ، أي في الصنع والإتقان والخلق ، فيكون اللفظ مشتركاً ، ولا يبعد أن يكون من المعنيين معاً ، وإن كان هو في الحكم أظهر ، لأن الحكيم من الحكمة يجمع على الحكماء . فعلى القول بالأمرين : يكون من استعمال المشترك في معنييه معاً ، وهو هنا لا تعارض بل هما متلازمان ، لأن الحكيم لا بد أن يعدل ، والعادل لا بد أن يكون حكيماً يضع الأمور في مواضعها . وقد بين تعالى هذا المعنى في عدة مواطن كقوله تعالى : * ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الاٌّ رْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) * ، الجواب : لا ، وكقوله : * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) * ، وفي قوله * ( سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) * بيان لعدم عدالتهم في الحكم ، وبعده عن الحكمة . ومعلوم أن عدم التسوية بينهم في مماتهم أنه بالبعث والجزاء ، فهو سبحانه أحكم الحاكمين في صنعه وخلقه . خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وأعدل الحكام في حكمه لم يسوّ بين المحسن والمسيء . وقد اتفق المفسرون على رواية الترمذي لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ( من قرأ والتين والزيتون ، فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين ، فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين ) . ومثله عن جابر مرفوعاً ، وعن ابن عباس قوله : ( سبحانك اللهم ، فبلى ) . والعلم عند الله تعالى .