الشنقيطي
59
أضواء البيان
وكقوله : * ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ) * أي في الحكم عند الله ، ولا في الواقع في الحياة أو في الآخرة ، كما قال تعالى : * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) * ، وهنا كذلك * ( لاَ يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) * في المرتبة والمنزلة والمصير . قال أبو حيان : هذا بيان مقابلة الفريقين أصحاب النار في الجحيم ، وأصحاب الجنة في النعيم ، والآية عند جمهور المفسرين في بيان المقارنة بين الفريقين ، وهو ظاهر السياق بدليل ما فيها من قوله : * ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ) * ، فهذا حكم على أحد الفريقين بالفوز ، ومفهومه الحكم على الفريق الثاني بالهلاك والخسران ، ويشهد له أيضاً ما قبلها * ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ ) * أي من هذا الفريق فأنساهم أنفسهم ، فصاروا أصحاب النار على ما سيأتي بيانه إن شاء الله . وهنا احتمال آخر ، وهو لا يستوي أصحاب النار في النار ولا أصحاب الجنة في الجنة ، فيما هم فيه من منازل متفاوتة كما أشار إليه أبو حيان عند قوله تعالى : * ( وَلاَ تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ) * ، ولكن عدم وجود اللام هنا يجعله أضعف احتمالاً ، وإلا لقال : لا يستوي أصحاب النار ، ولا أصحاب الجنة ، وهذا المعنى ، وإن كان واقعاً لتفاوت درجات أهل الجنة في الجنة ، ومنازل أهل النار في النار ، إلا أن احتماله هنا غير وارد ، لأن آخر الآية حكم على مجموع أحد الفريقين ، وهم أصحاب الجنة أي في مجموعهم كأنه في مثابة القول : النار والجنة لا يستويان ، فأصحابهما كذلك . وقد نبه أبو السعود على تقديم أصحاب النار ، في الذكر على أصحاب الجنة بأنه ليبين لأول وهلة أن النقص جاء من جهتهم كما في قوله : * ( هَلْ يَسْتَوِى الاٌّ عْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) * ا ه . وبيان ذلك أن الفرق بين المتفاوتين في الزيادة والنقص ، يمكن اعتبار التفاوت بالنسبة إلى النقص في الناقص ، ويمكن اعتباره بالنسبة إلى الزيادة في الزائد . فقدم الجانب الناقص ليبين أن التفاوت الذي حصل بينهما ، إنما هو بسبب النقص الذي جاء منهما لا بسبب الزيادة في الفريق الثاني ، والنتيجة في ذلك عدم إمكان جانب