الشنقيطي
57
أضواء البيان
سُكَارَى ) * ، فهو عام في جميع الناس . وقوله : * ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ) * . والذهول أخو النسيان ، وهو هنا عام في كل مرضعة * ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) * وهو أيضاً عام ، وذلك من شدة الهول يوم القيامة ، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه ، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى الله ، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى . ولوجود إسناد الإنساء إلى الشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى : * ( وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) * ، وكما في قوله تعالى : * ( وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * ، وقوله : عن صاحب يوسف : * ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) * . ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني ، وأنها كلها من الله * ( قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ) * ، * ( قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) * فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من الله كما في قوله تعالى : * ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) * ، ثم قال : * ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) * فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام * ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) * تأدباً في الخطاب مع الله تعالى ، ولكن هذا المقام مقام إخبار من الله عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم ، فأوقع عليهم النسيان لأنفسهم مجازاة لهم على أعمالهم ، فكان نسبته إلى الله وبإخبار من الله عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة : نسوا الله فنسيهم . تنبيهان الأول : جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى : * ( وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَا ) * . وقوله : * ( فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) * . وقوله : * ( نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) * ، وفي هذا نسبة النسيان إلى الله تعالى فوقع