الشنقيطي
54
أضواء البيان
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ) * . فكان أحد الأمرين بالتقوى يكفي لذلك ويشمله ، ويكون الأمر بالتقوى الثاني لمعنى جديد ، وفي الآية ما يرشد إليه ، وهو قوله تعالى * ( مَّا قَدَّمَتْ ) * ، لأن ( ما ) عامة كما قدمنا وصيغة قدمت على الماضي يكون الأمر بتقوى الله أولاً بالنسبة لما مضى وسبق من عمل تقدم بالفعل ، ويكون النظر بمعنى المحاسبة والتأمل على معنى الحديث : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) فقد ذكره ابن كثير . فإذا ما نظر في الماضي وحاسب نفسه ، وعلم ما كان من تقصير أو وقوع في محظور ، جاءه الأمر الثاني بتقوى الله لما يستقبل من عمل جديد ومراقبة الله تعالى عليه * ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * ، فلا يكون هناك تكرار ، ولا يكون توزيع ، بل بحسب مدلول عموم ( ما ) وصيغة الماضي ( قدمت ) والنظر للمحاسبة . تنبيه مجيء ( قدمت ) بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل ، وعدم التأخير ، لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي ، والمستقبل ليس بيده ، ولا يدري ما يكون فيه ، * ( وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ) * وكما في وقوله : ( حجوا قبل ألا تحجوا ) ، وقوله تعالى : * ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * . بعد الحث على تقوى الله وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه النسيان ، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا . وقد نص القرآن على أن الذين نسوا الله هم المنافقون في قوله تعالى في سورة التوبة : * ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * وهذا عين الوصف الذي وصفوا به في سورة الحشر . وقوله تعالى : * ( فَنَسِيَهُمْ ) * أي أنساهم أنفسهم ، لأن الله تعالى لا ينسى * ( لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى ) * ، * ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ