الشنقيطي
38
أضواء البيان
وهذا ما عليه الأصوليون يخصصون بها عموم الكتاب ، ويقيدون مطلقه . فمن الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أحلت لنا ميتتان ودمان . أما الميتتان فالجراد والحوت ، وأما الدمان : فالكبد والطحال ) فخص بهذا الحديث عموم قوله تعالى : * ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ ) * ، وكذلك في النكاح : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها ) ، وخص بها عموم : * ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) * ، ونحوه كثير . ومن الثاني : قطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق من الكوع تقييداً لمطلق * ( فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) * ، وكذلك مسح الكفين في التيمم تقييداً أو بياناً لقوله تعالى : * ( فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ) * ، ونحو ذلك كثير ، وكذلك بيان المجمل كبيان مجمل قوله تعالى : * ( وَأَقِيمُواْ الصَّلواةَ وَآتُواْ الزَّكَواةَ ) * فلم يبين عدد الركعات لكل وقت ، ولا كيفية الأداء ، فصلى صلى الله عليه وسلم على المنبر وهم ينظرون ، ثم قال لهم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وحج وقال لهم : ( خذوا عني مناسككم ) . وقد أجمعوا على أن السنة أقوال وأفعال وتقرير ، وقد ألزم العمل بالأفعال قوله تعالى : * ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * ، والتأسي يشمل القول والفعل ، ولكنه في الفعل أقوى ، والتقرير مندرج في الفعل ، لأنه ترك الإنكار على أمر ما ، والترك فعل عند الأصوليين ، كما قال صاحب مراقي السعود . * والترك فعل في صحيح المذهب تنبيه تنقسم أفعاله صلى الله عليه وسلم إلى عدة أقسام : أولاً : ما كان يفعله بمقتضى الجبلة ، وهو متطلبات الحياة من أكل وشرب ولبس ونوم ، فهذا كله يفعله استجابة لمتطلبات الحياة ، وكان يفعله قبل البعثة ويفعله كل إنسان ، فهو على الإباحة الأصلية ، وليس فيه تشريع جديد ، ولكن صورة الفعل ، وكيفيته ككون الأكل والشراب باليمين إلخ ، وكونه من أمام الآكل ، فهذا هو موضع التأسي به صلى الله عليه وسلم وكذلك نوع المأكول أو تركه ما لم يكن لمانع كعدم أكله صلى الله عليه وسلم للضب والبقول المطبوخة ، وقد بين السبب في ذلك ، فالأول : لأنه ليس في أرض قومه فكان يعافه ، والثاني لأنه يناجي من لا نناجي ، وقد قال صاحب المراقي : للضب والبقول المطبوخة ، وقد بين السبب في ذلك ، فالأول : لأنه ليس في أرض قومه فكان يعافه ، والثاني لأنه يناجي من لا نناجي ، وقد قال صاحب المراقي : * وفعله المركوز في الجبلة * كالأكل والشرب فليس مله *