الشنقيطي

35

أضواء البيان

وإيثار ، ومع هذا فقد كان منه صلى الله عليه وسلم أن يأتيه الضيف فلا يجد له قرى في بيته ، فيقول لأصحابه : ( من يضيف هذا ، الليلة وله الجنة ؟ ) فيأخذه بعض أصحابه ، ويأتيه فقراء المهاجرين يطلبونه ما يحملهم عليه في الجهاد ، فيعتذر إليهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه ، فيتولون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً : ألا يجدوا ما يحملهم عليه ، ويأتيه القدح من اللبن ، فيدعو : يا أهل الصفة . ليشاركوه إياه لقلة ما عندهم ، وأبو هريرة يخرج من المسجد فيصرع على بابه من الجوع ، بينما العديد من أصحابه ذوو يسار ، منهم من يجهز الجيش من ماله ، ومنهم من يتصدق بالقافلة كلماة وما فيها ، ومنهم من يتصدق بخيار بساتين المدينة ومنهم ومنهم فلم يأخذ قط ولا درهماً واحداً ممن تصدق بقافلة كاملة وما تحمل ، لم يأخذ منه درهماً بدون رضاه ، ليشارك معه فيه واحداً من أهل الصفة ، ولا ممن تصدق ببستانه صاع تمر يعطيه لأبي هريرة ، يسد مسغبته ، ولا بعيراً واحداً ممن جهز جيشاً من ماله ليحمل عليه متطوعاً في سبيل الله . إنها أموال محترمة ، وأملاك مستقرة خاصة بأصحابها ، فهناك غنيمة وفيء أخذ بقوة الأمة ومددها للجيش ، جعل في مصارف عامة للأمة وللجيش ، وهنا أموال خاصة لم تمس ولم تلمس ، إلا برضى نفس وطيب خاطر ، ولذا كانوا يجودون ولا يبخلون ، ويعطون ولا يشحون ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وكان مجتمعاً متكافلاً مؤتلفاً متعاطفاً وسيأتي زيادة إيضاح لهذا المجتمع عند الكلام على مجتمع المدينة على قوله تعالى : * ( لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ) * ، وما بعدها من الآيات إن شاء الله تعالى . وللشيخ رحمه الله تعالى كلام مقنع على هذه المسألة في سورة الزخرف على قوله تعالى : * ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ) * . نسوق نصه لأهميته : قال رحمه الله : مسألة : دلت هذه الآية الكريمة المذكورة هنا كقوله تعالى : * ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ) * . وقوله تعالى : * ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْرِّزْقِ ) * . ونحو ذلك من الآيات على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية ، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه ، * ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) * وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ولجميع