الشنقيطي

315

أضواء البيان

ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام * ( وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ) * ، كان بدليل الاستقراء من قومه ، والعلم عند الله تعالى . وقوله تعالى : * ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاٌّ رْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ) * ، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا ؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله : * ( وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ) * . وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى : * ( مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً ) * فجمع الله لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق ، مقابل أعظم الذنبين الضلال والإضلال . وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله : * ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الاٌّ رْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ) * . قال ابن كثير : لقد أغرق الله كل من على وجه الأرض من الكفار ، حتى ولد نوح من صلبه . وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله * ( يابُنَىَّ ارْكَبَ مَّعَنَا ) * إلى قوله * ( فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) * لما أخذت نوحاً العاطفة على ولده قال : * ( رَبِّ إِنَّ ابُنِى مِنْ أَهْلِى ) * إلى قوله : * ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) * أثار بعض الناس تساؤلاً حول ذلك في قراءة * ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) * ، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره . وتساءلوا حول صحة نسبه ، والحق أن الله تعالى قد عصم نساء الأنبياء إكراماً لهم ، وأنه ابنه حقاً ، لأنه لما قال * ( إِنَّ ابُنِى مِنْ أَهْلِى ) * تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته . ثانياً : نسبته إليه في أهله ، فكان الجواب عليه من الله بنفي النسبة الثانية لا الأولى ، إنه ليس من أهلك . ولم يقل : إنه ليس ابنك ، والأهل أعم من الابن ، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، والعكس بالعكس ، فلما نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية ، ولو لم يكن ابنه لصلبه لكان النفي ينصب عليها . ويقال : إنه ليس ابنك ، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله ، وكذلك قوله