الشنقيطي

107

أضواء البيان

لطبيعة المكان ، وكما فعل في غزوة بدر ورصهم وسواهم بقضيب في يده أيضاً لطبيعة المكان . وهكذا ، فلا بد من كل وقعة من مراعاة موقعها ، بل وظروف السلاح والمقاتلة . وقد ذكر صاحب الجمان في تشبيهات القرآن أجزاء الجيش وتقسيماته بصفة عامة من قلب وميمنة وميسرة وأجنحة ، ونحو ذلك فيكون وجه الشبه هو الارتباط المعنوي والشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب كما فعل الحباب بن المنذر في غزوة بدر حين نظر إلى منزل المسلمين من الموقع فلم يرقه ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجابه فأبدى خطة جديدة فأخذ بها صلى الله عليه وسلم وغيَّر الموقع من مكان المعركة . وثانياً قوله تعالى : * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) * . فذكر تعالى من عوامل النصر : الثبات عند اللقاء ، وذكر الله والطاعة ، والامتثال ، والحفاظ عليها بعدم التنازع والصبر عند الحملة والمجالدة ، فتكون حملة رجل واحد ، وكلها داخلة تحت معنى البنيان المرصوص في قوته وحمايته وثباته ، وقد عاب تعالى على اليهود تشتت قلوبهم عند القتال في قوله تعالى : * ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) * ، وامتدح المؤمنين في قتالهم بوحدتهم كأنهم بنيان مرصوص . وقد جاءت السنة بهذا التشبيه للتعاون في قوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) . فهو يبين المراد من وجه الشبه في البنيان المرصوص هنا ، وقد أثر عن أبي موسى رضي الله عنه قوله لأصحابه : الزموا الطاعة فإنها حصن المحارب . وعن أكثم بن صيفي : أقلوا الخلاف على أمرائكم ، وإن المسلمين اليوم لأحوج ما يكونون إلى الالتزام بهذا التوجيه القرآني الكريم ، إزاء قضيتهم العامة مع عدوهم المشترك ، ولا سيما ، وقد مر العالم الإسلامي بعدة تجارب في تاريخهم الطويل وكان لهم منها أوضح العبر ، ولهم في هذا المنهج القرآني أكبر موجب لاسترجاع حقوقهم والحفاظ على كيانهم ، فضلاً عن أنه العمل الذي يحبه الله من عباده ، وبالله تعالى التوفيق .