الشنقيطي
66
أضواء البيان
إسرائيل * ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) * . فإن قيل : قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد ، هو العدل والإنصاف ، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمان هو آلة الوزن المعروفة ، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية ، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين الكتاب والميزان ، لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف . فالجواب من وجهين : الأول منهما هو ما قدمنا مراراً من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلاً للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات ، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى * ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاّعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى ) * فالموصوف واحد والصفات مختلفة ، وقد ساغ العطف لتغاير الصفات . ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاّعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى ) * فالموصوف واحد والصفات مختلفة ، وقد ساغ العطف لتغاير الصفات . ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر : * إلى الملك القرم وابن الهما * م وليث الكتيبة في المزدحم * وأما الوجه الثاني : فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ، من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان . وإيضاح ذلك : أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب السماوية . وأما الميزان : فيصدق بالعدل والإنصاف الذي لم يصرح به في الكتب السماوية ، ولكنه معلوم مما صرح به فيها . فالتأفيف في قوله تعالى * ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ) * ، من الكتاب لأنه مصرح به في الكتاب ، ومنع ضرب الوالدين مثلاً المدلول عليه بالنهي على التأفيف من الميزان ، أي من العدل والإنصاف الذي أنزله الله مع رسله . وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى : * ( وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ ) * من الكتاب الذي أنزله الله ، لأنه مصرح به فيه .