الشنقيطي

315

أضواء البيان

وكلهم عالم ، والعالم الذي رغبت عن قوله ، أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه . فإن قال : قلدته لأني أعلم أنه صواب . قيل له : علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع ؟ فإن قال نعم . أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل . وإن قال : قلدته لأنه أعلم مني . قيل له : فقلد كل من هو أعلم منك . فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك . فإن قال : قلدته لأنه أعلم الناس . قيل له : فإنه إذاً أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحاً . فإن قال : أنا أقلد بعض الصحابة . قيل له : فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله ؟ على أن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه . وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار ، عن ابن القاسم عن مالك ، قال : ليس كل ما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) * . فإن قال قصري وقلة علمي يحملني على التقليد . قيل له : أما من قلد فيما ينزل . من أحكام شريعته عالماً يتفق له على علمه ، فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور ، لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بدله من تقليد عالم ، فيما جهله ، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك . ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله ؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه ؟