الشنقيطي
286
أضواء البيان
فإن قال قائل : لم أنكرتم أن يكون قوله : * ( مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ) * وقوله * ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * على المجاز ؟ . قيل له : حكم كلام الله عز وجل أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا لحجة . ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم فإذا ورد بلفظ العموم ، والمراد به الخصوص ، فليس هو على حقيقة الظاهر ؟ وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة ؟ كذلك قول الله عز وجل * ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين ، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة . ولو جاز ذلك لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم ، فهو على الخصوص ، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة . وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان ، لم يجز لكم ما ادعيتموه ، أنه مجاز بغير حجة . بل واجب أن يكون قوله * ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم : فعلت بيدي وهو يعني النعمتين . ا ه محل الغرض منه بلفظه . وفيه تصريح أبي الحسن الأشعري رحمه الله ، بأن صفات الله كصفة اليد ثابتة له حقيقة لا مجازاً ، وأن المدعين أنها مجازهم خصومه وهو خصمهم كما ترى . وإنما قال رحمه الله : إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازاً ، لأنه لا يشك في أن ظاهر صفة الله هو مخالفة صفة الخلق ، وتنزيهها عن مشابهتها كما هو شأن السلف الصالح كلهم . فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه ، لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق .