الشنقيطي

278

أضواء البيان

بتلك الصفات حقيقة لا مجازاً ، لأنا نعتقد اعتقاداً جازماً لا يتطرق إليه شك ، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها ، لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال . وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازاً لا ينكره مسلم . ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة ، ونفي المجاز ، كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها ، وأنها كلها مجازات . وجعلوا ذلك طريقاً إلى نفيها ، لأن المجاز يجوز نفيه ، والحقيقة لا يجوز نفيها . فقالوا مثلاً : اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة أو الجود ، فنفوا صفة اليد ، لأنها مجاز . وقالوا على العرش استوى : مجاز فنفوا الاستواء ، لأنه مجاز . وقالوا : معنى استوى : استولى ، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق . ولو تدبروا كتاب الله ، لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء ، وتبديل اليد بالقدرة ، أو النعمة ، لأن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) * . ويقول في الأعراف * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ) * فالقول الذي قاله الله لهم ، هو قوله حطة ، وهي فعلة من الحط بمعنى الوضع خبر مبتدأ محذوف أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا أي حط ووضع لها عنا فهي بمعنى طلب المغفرة ، وفي بعض روايات الحديث في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نوناً فقط فقالوا حنطة وهي القمح . وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى . فزادوا لا ما فقالوا استولى .