الشنقيطي
271
أضواء البيان
تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق ؟ والجواب الذي لا جواب غيره : لا . فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظاً أنزله الله في كتابه ، مثلاً دالاً على صفة من صفات الله أثنى بها تعالى على نفسه ، يكون ظاهره المتبادر منه ، مشابهته لصفة الخلق ؟ * ( سُبْحَانَكَ هَاذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) * . فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف وصفاتهما متخالفة كل التخالف . فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق ؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق ؟ فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقاً بالخالق منزهاً عن مشابهة صفات المخلوق . وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق . فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق ، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم ، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى : * ( فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) * . والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى : * ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * أنها صفه كمال وجلال ، لائقة بالله جل وعلا ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله . وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال ، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة ، قال تعالى في تعظيم شأنها * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاٌّ رْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * .